في مثل هذا اليوم فسخت الأمة عقدها الاجتماعي مع الحاكم، واستردت السيادة لذاتها، لتُعبر لأول مرة في تأريخ مصر عن إرادتها بإرادتها، ولينتفض الملايين والملايين على واقع لم يتصوّر أحد أنه في الإمكان القيام عليه من جديد، خرج الشباب من اليمين واليسار، من الإسلاميين والليبراليين، من الفقراء والأغنياء معًا “إيد وحدة” ليؤكدوا عُمق الهوية الأصيلة التي لم تمحُها سنون التغريب عن هذه الهوية الأصيلة، فقد صار العقل الجمعي اليوم واعيًا ومتحدًا ومركبًا وجامحًا من أجل التغيير.

مثل ذلك الكيان الكبير كينونة هذا الشعب الذي طالما تقمص شخوص أمم خلت وأتت، ولكنه بقي غير واثقٍ من نفسه حتى جاء ذلك اليوم التاريخي 25 يناير 2011، إذ لم تُفلح مواقع الجمل ولقاءات سُليمان، وسيول الزخم الفضائي، وخبرات الإعلاميين المُخضرمين، وماكينات الدولة العميقة، في التشويش على الشعب المُنتفض لكرامته، فحراك الأمة شامل وكامل ، وليست المؤامرة عليه إلا جزئية بسيطة في فروع هذا الموج الصاعد.

تصاعدت المظاهرات وتنوعت بفعالياتها وجماهيرها وجغرافيتها حتى أصبحت حالة ثورية جاثمة على صدر النظام الحاكم، الذي اضطر رأسه إلى التنحي مُجبرًا بعد أن أصبح بقاؤه مستحيلاً على أرض الواقع، بعدها انتقل المشهد السياسي المصري إلى حالة السيولة الانتقالية، والاعتصامات المتعددة التي أرهقت الوطن والمواطن، وشتت الجهد الثوري الشامل في جزئيات لا تُعبّر أبدًا عن غايات الثورة الحقيقية، وأخذ كل طرف يستأثر بشرعية الشعب الثورية لنفسه، مع وجود المجلس العسكري الذي كان ممسكـًا بتلابيب المعادلة الداخلية للشأن السياسي المصري.

سعت البقية الباقية من القوى الثورية التي لا زالت واقعة تحت تأثير سقف التوقعات الثورية إلى الانتقال من الحالة الانتقالية وسلطة المجلس العسكري، إلى الشرعية الدستورية، في إطار تفاهمات بين القوى السياسية والثورية ترمي إلى إنشاء عقد اجتماعي جديد “الدستور” تُنفِذ من خلاله تلك القوى القيم التي قامت عليها ثورة 25 يناير فيه؛ الكرامة، المساواة، الحرية، العدالة الاجتماعية، تعزيز سُلطة الشعب، كانت أبرز مضامين الدستور المصري الذي صوّت عليه الشعب بالأغلبية، في زمن الرئيس المُنتخب محمد مرسي.

كانت البلاد برغم اضطراب الوضع الداخلي، وبرغم عدم الرضى العام عن أداء السُلطة المُنتخبة بسبب ثورة التوقعات التي أعقبت ثورة يناير، تسير ولو بشكل بطيء نحو الانتقال الديمقراطي، إذ شهدت مصر في سنة حُكم الرئيس المصري محمد مرسي، تعددية سياسية حقيقية، وبروز شرائح مجتمعية جديدة، بالإضافة إلى القوى الفاعلة القديمة، تُعبر عن رأيها بكل حرية، وتُمارس حقها في إطار دستوري يمنح الجميع حق التعبير، بيد أن ضعف قبضة الدولة أثّر كثيرًا في فرض شرعيتها الدستورية فيما بعد.

أسس الوضع السابق إلى قيام تظاهرة كبيرة في 30-6-2013 على أثرها قام وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي بإعلان دستوري تم على أثره إزاحة الرئيس المُنتخب محمد مرسي، لصالح القوى السياسية المُجتمعة في يوم 3-7-2013 والتي مثّلت عدة قوى سياسية بتوجهات مختلفة، لتُعيد السُلطة من جديد إلى يد المجلس العسكري، ولتدشن مصر مرحلة جديدة مثّلت في واقعها امتدادًا للوضع السياسي الذي يقوده العسكر منذ أكثر من ستين عامًا.

على الصعيد الدولي والإقليمي، كان وجود الرئيس محمد مُرسي والذي ينتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين على رأس الهرم في هذا التوقيت مصدر تهديد للواقع الإقليمي للمنطقة، ففي التوقيت نفسه كانت تونس تحكمها حكومة تتبع حركة النهضة والتابعة إلى جماعة الإخوان المسلمين أيضًا، مع وجود حكومة إسلامية في تركيا برئاسة رجب طيب أردوغان، مع حكومات متفاهمة بشكل كبير مع هذه الدول في ليبيا والمغرب، كان ذلك مؤشرًا على إمكانية تحقيق تحالف إقليمي بعيد المدى ضمن هذه التركيبة يصعب من خلاله عزل حكومة عن أخرى أو إسقاط حكومة لصالح حزب آخر، وانتهى المحور بالانقلاب على الرئيس محمد مرسي.

بعد تولي المجلس العسكري السلطة من جديد بدأ الوضع الاقتصادي والسياسي المصري بالانحدار، حتى في المؤشرات العالمية لقياس قدرات الدول في المجالات كافة، فقد تراجعت مصر في ترتيبها العام في مؤشر التنافسية العالمية (The global competitiveness index) من المرتبة 107 من أصل 144 دولة عام 2012، إلى المرتبة 118 من أصل 148 دولة عام 2013، والمرتبة 119 في تقرير سنة 2015، كان ذلك التراجع يُمثل واقع الحال الذي عاشته أغلب الطبقات الاجتماعية المصرية المسحوقة فيما بعد.

أما مؤشر الرفاه العالمي (Legatum prosperity index)  فقد بلغ المرتبة 106 من أصل 142 دولة عام 2012 وانخفض إلى المرتبة 108 عام 2013 والمرتبة 116 عام 2014 وارتفع عام 2015 إلى المرتبة 110. على العموم فإن هذين المؤشرين يعكسان مدى تدهور الوضع الداخلي المصري في المجالات كافة.

لم ينته المشهد في مصر بعد الانقلاب العسكري، فقد بقي أنصار الشرعية يُطالبون باسترداد شرعيتهم في الميادين المصرية المختلفة، حتى جاءت موقعة رابعة العدوية حين فضّت القوات الأمنية المصرية الاعتصامات المناصرة للرئيس المصري بالقوة، لم يكن ذلك الحدث مُستهدِفـًا لأنصار الشرعية فحسب، بل مثّل ذلك الحدث برُمّته كربلاء الربيع العربي كلّه، ليؤجل حق الشعوب في اختيار من يمثلها إلى إشعار آخر.

كما لم تكن التجربة المصرية بمعزل عن منحنى التأريخ وحركته، ولم تختلف كثيرًا هي وشقيقاتها من دول الربيع العربي عن التجربة الهولندية قبل ثلاثة قرون من الزمن حين ثار الشعب الهولندي على هيمنة التاج البريطاني، مُطالبًا بالديمقراطية كنظام حُكم يحكم الشعب من خلاله نفسه، إلا أن الاقتتال الداخلي والتدخل الخارجي أخّر تطبيق الديمقراطية فيها حتى القرن التاسع عشر، وهي العوامل ذاتها التي أعاقت الربيع العربي، بيد أن الثورة الهولندية مثّلت إلهامًا لثوار أمريكا الذين كانت ثورتهم متزامنة معهم مما أدى إلى إنشاء جمهورية أمريكا التي ما زالت تحكم العالم حتى الآن.

وعلى العموم فإن ثورة 25 يناير 2011 وفي ذكراها الخامسة ما زالت تُمثّل قيمة عليا ليس لدى الشعب المصري فحسب، بل لجميع الأمة والعالم برمته، وإذا مرّ الربيع العربي بفصل الشتاء فإن مسألة الربيع ليست سوى مجرد وقت.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست