حسام الطائي (العراق)

تعتمد حكومات الدول في العالم الحديث في هيكليتها على سحب السلطات وتقليص الصلاحيات من الحاكم، بقدر ما هو مستطاع، وتحويلها إلى وزارات ومؤسسات، أو لجان أخرى تدعم صانعي القرار في الحكومة، وذلك لكي لا تقع ضمن مزاج الحاكم وانفعالاته، وكي لا تتحول من حكومة المجتمع إلى حكومة عائلة الحاكم.


هذا ما تفتقده الدول العربية ذات النظام الجمهوري، والتي تعرّضت لثورات أسقطت حكوماتها، وأعطت الجماهير فرصة لبناء حكومة جديدة. الجمهور العربي يذكّر جمال عبد الناصر بأنه القائد العربي وصاحب الخطب الحماسية، وهواري بومدين الذي جعل من الجزائر قبلة الثائرين، ومعمر القذافي الذي كان يدّعي أنه عميد الحكماء العرب ومحرر ليبيا، وبعدهم صدام حسين الذي حاول أن يكون زعيم العرب الجديد. كل هؤلاء كانت الحكومات في أزمنتهم تبني الدولة، وترتفع بها فترة زمنية محدودة، لتسقط مرة أخرى بسبب الخطأ في تأسيس الحكومة الذي يؤدي إلى انقلاب لتظهر حكومة جديدة، أو ثورة تطيح الحكومة.

السبب في حصول هذه الدورة النهوض البناء ومن ثم الانهيار هو ربط بقاء الحكومة والدولة وتطورها بشخصية الحاكم فقط، فلا اعتبار للمؤسسات الأخرى وشخصياتها، فالدولة، كما قال ابن خلدون، كالإنسان تمر بمراحل (الولادة، الشباب، الشيخوخة والموت) إلا إذا تم التغيير في أساس المعادلة، وهو توزيع سلطات الحكومة، هذا التغيير في المعادلة كان في الحكومات الغربية، حيث تم سحب الصلاحيات من الحاكم وتقليصها وتوزيعها على مؤسسات ولجان تملك مختصين وخبراء تساهم في اتخاذ القرار السياسي، حيث تتم العملية عن طريق التحليل والنقاش، للتوصل إلى أفضل الخيارات، لضمان بقاء الحكومة مستقرة، والتي تمثل بقاء الدولة مستقرة.
حكومة المؤسسات تملك خصائص لا تتمتع بها حكومة القائد الواحد، فهي تمتاز بالاستقرار السياسي، لأن من يشكلون القرار حشد من المختصين، وليس فئة من المختارين، ونتيجة للاستقرار السياسي، يظهر الاستقرار الاقتصادي الذي يرفع الناتج القومي للشعب، ما يسهم في بناء الدولة وتطورها، وتملك حكومة المؤسسات شعب لديه إيمان وولاء بقادة حكومته وشخصياتها التي تمثل الدولة. هذا الولاء يؤدي إلى بناء رأي عام داعم للحكومة، ومراقب لأدائها، ويرسخ لفكرة العمل للحكومة والدولة، لا لشخص بعينه، إذا غاب عن السلطة ضعف الولاء والعمل.

الأهم أن حكومة المؤسسات تمتاز بقوة النظام السياسي ومناعته ضد الأزمات الكبيرة، لأنه لايتجسد بشخص واحد، يمثل رأس الدولة والحكومة والمشاريع السياسية والاقتصادية، إن اغتيل أو قتل تنهار الحكومة، وتتغير السياسة وتتعطل القوانين ويتغير الولاء، فالمسار والأهداف السياسية والاقتصادية مستمرة ولا تتغير، إلا بحسب الظروف الدولية، وبتغير مدروس لتتكيف مع ما استجد لتضمن بقائها.
أيضا حكومة المؤسسات تكون أقوى ضد المؤامرات الخارجية، فهي تملك التمثيل الحكومي لكل المكونات المجتمع. بالتالي، تستطيع القضاء على أي محاولة خارجية، تسعى إلى إثارة فئة أو طائفة أو قومية على الحكومة، ففي فترة الستينات وصولا إلى التسعينات، كانت دول عربية تشكو التدخل الخارجي الغربي أو العربي، نظراً لاختلاف إيديولوجيا النظام ونوعيته، أو تعاني الثورات الداخلية، نظرا لعدم تمثيل المجتمع، وحصر السلطات الحكومية في شخص واحد، يتخذ القرارات قد تكون غير صحيحة، تؤدي إلى نتائج عكسية، تؤهل لإضعاف الحكومة وسقوطها.
في النهاية، خاضت الشعوب العربية ذات النظام الجمهوري تجربة طويلة ومريرة مع حكومة الفرد الواحد، ما أوصل الدولة بمكوناتها إلى النهاية المأساوية المتمثلة بالثورات العربية، فهل سيتعلم الشعب العربي من هذه التجربة المريرة، ويبدأ بناء حكومة المؤسسات، أم أنه سيعيد التجربة نفسها؟