نداء شرارة حرّكت بصوتها الساحر مشاعر ملايين استمعوا إليها

أمجد ناصر

يهمُّني أن أكتب عن نداء شرارة، حائزة لقب “أحسن صوت” (في برنامج “ذا فويس”). هناك أسباب تجعلني أكتب عنها، على الرغم من أنني لا أتابع، كثيراً، ما يجري في ساحة الغناء العربي التي تشبه، اليوم، أي شيء عربي آخر: خليط من التافه والمنحدر والجيد والواعد والمدفون في قشوره. لست ممن يصمّون آذانهم عن الغناء، بدعاوى “ثقافية” استعلائية مثيرة للسخرية، بل من الذين يطربون بشدة للغناء، ومن الذين كانت الأغنية رسولهم إلى الحبيبة، ومن الذين يقولون كيف كان ممكناً أن نحبَّ من دون الأغاني التي نابت عنا، في وعودها ومواجعها وآهاتها وحرّات قلوب مغنياتها ومغنيها. وليس هناك شخص “طبيعي”، حسب ظني، لا تحرّكه الموسقى، ولا يهزّه الغناء.

وبما أنني لا أعلم فعلاً ما يجري في هذه الساحة التي كنت أعرف نجومها، أيام مراهقتي وشبابي، واحداً واحداً، فقد أتحسَّر مع الكهول، أمثالي، على “زمن الفن الجميل”، غير أني لا أتفق، بالعمق، مع هذا القول المتحسِّر الذي يرى الأقدم أكثر أصالة، وأقل ترهلاً وانحداراً. هذا قانون بشري، مزاجيٌّ وثقافيٌّ، لن يتغيّر. قانون خالد ما دام البشر بشراً، ولم يتحولوا إلى نوع جديد، وغريب ومخرِّب، من الكائنات البرمائية، بحسب ما يقول العلم في صدد القدرة العجيبة للإنسان على التأقلم في بيئات متغيّرة. هكذا لا أجزم برداءة كلِّ غناء اليوم. ولست مقتنعاً، نظرياً، بأنَّ زمننا كان أفضل من زمن الأجيال اللاحقة، وإن كنتُ لا أستطيع كبح جماح خيول الحنين التي تركض إلى الوراء. وهذا مضمار داخلي فقط. لماذا أريد أن أكتب عن نداء شرارة؟ لأنها أمثولة، بعد قوة صوتها وجماله وطلاوته طبعاً. ففي وقتٍ تتصاعد فيه الأصوليات الدينية والمذهبية، وتحطم، مادياً ومعنوياً، إرثنا الحضاري، وتقسم الناس إلى كفار ومؤمنين، تطلع فتاةٌ من مجتمع محافظ، بغطاء رأسٍ وتغني، بقوةٍ وجمالٍ وكبرياء، أمام شاشةٍ تنقل صورتها وصوتها إلى ملايين العرب. هذا مثالٌ معاكسٌ للتيار. بل هو صادم للتيار، من دون أن يقصد ذلك. لم تصعد نداء شرارة إلى مسرح هذه المسابقة الغنائية، لكي تصدم أحداً، ولا لكي تكون أمثولةً، ولا قدوةً. إنها، ببساطةٍ، تحب الغناء، ولا تجد فيه ما يحرج، ولا ما يخرجها مما ارتضته لنفسها من قيمٍ وزيٍّ ومسلك. فمثلما يبدو لها غطاءُ رأسها طبيعياً، غير أيديولوجي، كذلك هو غناؤها. لم تشعر، كما يبدو، بالتناقض، ولم تعمل على إحداث صدمة. بوسع من ترتدي غطاء رأس، من تصوم وتصلي، من يسكن الإيمان أعماقها، ولا يتحوَّل يافطة وشعاراً، أن تغني أيضاً. كان هذا يحدث بعد مجيء الإسلام. دائماً. حتى في أقرب نقطة من الكعبة. لم ينقطع الغناء، ولم تتوقف الموسيقى، ولم ينزو الشعر في الأركان والزوايا، بل ظلت هذه التعبيرات الفنية والأدبية سارية المفعول طول الوقت. كل ما قيل في الغناء والموسيقى من تحليلٍ وتحريمٍ كان على هامشها، فلم يؤثر فيها، ولم يقطع نسقها، ولم يوقف تثاقفها وتعدد أشكالها ومقاماتها، لأنها تعبير حي عن الحياة في أوجهها المختلفة: الفرح، الترح، الجوى، الصبابة، الترحال، المؤانسة، الحماسة، الحرب إلخ إلخ.. بصوتها الساحر، أدارت نداء شرارة رؤوس حكام المسابقة الغنائية، وحرّكت مشاعر الملايين ممن استمعوا إليها. على رأسها غطاء، حاسرة، بيضاء، سمراء، قصيرة، طويلة، كل هذا كان خارج اعتبارات ملايين الذين/ اللواتي صوّتوا لها، وأرادوها أن تكلّل باللقب. هذا يعني أن الذين يريدون أن ينكّدوا على حياة البشر أكثر مما هي نكدة، وأن يحوّلوا الناس إلى أحزمةٍ ناسفة، أو أن يعصبوا أعينهم ويسدّوا آذانهم، ليسوا كثرة. بل ليسوا مؤثرين. لا أمتدح هذه البرامج الغنائية المستنسخة، بكلِّ كسل عقلي، لأهدافٍ تجاريةٍ في المقام الأول، وربما تخديرية في المقام الثاني، غير أن هذا لا يغيّر من كون مادتها أكثر تأثيراً في الناس من ذوي الأحزمة الناسفة، بل ومن هم أهون قليلاً منهم، الذين يحصرون الموسيقى بالدفوف، فما تجاوزها دخل في دائرة الشبهات! الحياة أقوى من الفتاوى، خصوصاً إذا كانت ضد الحياة.