كريستيان توبيرا تغادر وزارة العدل الفرنسية (27 يناير/2016/أ.ف.ب)

حكيم عنكر

قدّمت وزيرة العدل الفرنسية المستقيلة، كريستيان توبيرا، عرضاً سياسياً في غاية الروعة، وهي تنهي مسيرتها حارسة لأختام الجمهورية، بعد أن انحازت للقانون، وليس للمرحلة السياسية، عندما رفضت أن يمرّر عليها قانون نزع الجنسية الفرنسية عن المتورطين في جرائم إرهابية من مزدوجي الجنسية.


كان يمكن للسيدة توبيرا، وهي المنحدرة من جزيرة غويانا، أن تخضع للابتزاز السياسي الذي مورس عليها، وتمرّر قانوناً ستكون له انعكاسات كارثية على المجتمع الفرنسي، وسيعمق الشرخ في أوساط الجاليات المقيمة في بلد الأنوار، لكنها اختارت، بشكل مبهر، أن تركب دراجتها الهوائية، وتغادر بلا أسف قصر الإليزيه، في أجمل صورة، تعيد إلى السياسة معناها النبيل، وتمنح للموقف امتداده وسنده الشعبي الذي فاضت به منصات التواصل، حتى من الجمهور اللاهي عن أفعال السياسيين وحماقاتهم وآثامهم.
فجأة، برز بين الأكوام المتراكمة من يعيد إلى الفعل السياسي معناه النبيل، ومن يذكر أن بطولة الاستقالة لم تكن هيّنة في أي وقت، فلها مجدها ونياشينها، وقد تكون إعادة بعث سياسيٍّ، كما في حالة توبيرا، وليس أفول نجم ونهاية مشوار.
في عمل توبيرا، بعض من الشعر أيضاً، الشعر الحقيقي ابن الحياة والضاج بالحقيقة، وربما يجد هواة القصائد ومطاردو الشوارد بعضاً من إلهامٍ في السيدة الكريمة التي امتطت دراجتها الهوائية في ذلك المساء، معيدة عجلة تاريخ بلدها إلى السكة الصحيحة، ومنسلةً بلا ضجيج، وكأنها طائر حر حقيقي، خرج من الأختام والأقفاص إلى مطلق الحرية، حيث للحياة معنى آخر، وللمدينة وجه لا يختبره إلا ابن الشعب من مزدوجي الجنسية، ذلك الذي تطارده القوانين كمطلوب أبدي ومجرم محتمل.
لم ترضخ توبيرا للضغوط، كان يمكنها أن تجاري اللحظة الفرنسية الملتبسة، وتنضم للجوقة التي ترمي كل ما فشل فيه المجتمع الفرنسي على الإرهاب والتطرف، لكنها اختارت أن تكون منصفة وواقعية. وهي، بخبرتها الإنسانية ومعدن أصولها، تعرف أن إشكالات كثيرة تكمن هناك، قد تفضي إلى تعميق الانقسام في مجتمع فرنسي، يحاول أن يكرّس صيغته في التعايش بين الأعراق والأديان ضمن الشعار الجامع للجمهورية.
من الطبيعي، أن يلاقي هذا السلوك ترحيباً، حتى من اليمين المتطرف الفرنسي، فأحياناً تشكل مسلكياتٍ مثل هذه استفاقة ضمير للنخب السياسية المتصارعة، لكن الأهم أنه دفع شعب “فيسبوك” في العالم العربي إلى لعبة المقارنات.
وأول تلك المقارنات، أن كلمة الاستقالة “مجرّمة” في القاموس السياسي العربي، لا يستطيع المسؤول أو الوزير الإقدام عليها، فهو سيد من ذهبٍ معصوم من الخطأ، من المهد إلى اللحد.
ثانياً، قد يتعرّض المسؤول الذي يزاور بذهنه خيال الاستقالة، إن وجد، للعقاب واللعنة الأبدية إن أقدم على سلوكٍ “مشين” كهذا، يستخف بالمسؤولية، ولا يورثها من أب إلى حفيد.
ثالثاً، لن يستطيع أي عربي في السلطة مغادرتها على دراجةٍ هوائية، خفيفاً مثل الريح، فإما هارباً ومتسللاً مثل لص، أو مسحولاً على مرأى كاميرات العالم.
رابعاً، يتمنى العربي أن يحظى بمثل تلك اللحظة، وأن تكون عنواناً للشجاعة الفكرية والأخلاقية، ويأسف من حاله المليء بالرماد وقطاع الطرق وسدنة الكرسي.
اهرب على دراجتك الهوائية، وأدر عجلة التاريخ، واجعل الحقيقة تحلق عالياً، بسيطاً من غير ريش، وبوداع دافئ، وغصة في حلق الخصوم. هروب جميل تنقذ فيه حياة آخرين من مصائر مرعبة.. اهرب إلى نفسك، كما فعلت توبيرا.