قصة من مجموعة عزيز نيسين “في إحدى الدول”

بلال فضل

(لا أعتقد أنني قرأت شيئاً يعبر عن الأوضاع السياسية في مصر الآن، مثل هذه القصة الساخرة التي كتبها كاتبي المفضل، عزيز نيسين، والتي نشرت في مجموعته النادرة “في إحدى الدول”، وترجمها عام 1990 عبد القادر عبد اللي وصاغها خطيب بدلة، والتي أتركها بين يديك الآن، لتقرأ وتتأمل، كفانا الله وإياك شر الخوازيق، ما ظهر منها وما بطن).   ناقلو الآثار، ومحدِّثو العصور، ورواة الأخبار، يروون عن ذلك اليوم روايةً، ويحكون من هذا الطراز حكاية: كان يا ما كان، في قديم الزمان، دولة، مياهها غزيرة، وطرقها كثيرة، أهلها نبلاء، وتربتها مِعطاء، وكُتّابها عظماء.

كان سكان تلك الدولة يقولون: “القبطان منقذ سفينته، فالبس أنت الخيش، لألبس أنا القماش المذهب”. لا يعملون ولا يفكرون إلا لأنفسهم وبأنفسهم. كل شاةٍ برجلها تُناط، وكل حمارٍ من حافره يُحدى. وفي يوم من الأيام، خرج رجل وأخذ يصيح.. صيحة في الأرض وصيحة في السماء: ـ آخ خ خ خ خخ!.. أنا بعرضكم، إن خازوقاً يدخل فيّ.. يدخل فيّ خازووووو.. ق!. في البدء، لم يلتفت إليه أحد، ولم يعره أحد انتباهاً. قال واحد: ــ أنا مالي وما للخازوق الداخل في هذا الرجل.. ألف شكر لله على أنه لم يدخل فيّ خازوق، ولا مازوق! لكن صياح الرجل “إني أتخوزق” ازداد، إلى حد أنه بدأ يقلق سكان تلك الدولة كلهم. قبضت الشرطة، والحرس القائمون على أمن المدينة ونظامها، على الرجل الذي كان يصرخ باستمرار، فحصوه جيداً، فلم يعثروا على أي خازوق فيه. قالوا: ــ هذا الرجل كذاب. إنه يصرخ ويصيح، لكي يقلق الناس. وأبعدوا الرجل عن المدينة، وسدّوا عليه إحدى المغارات. .. راح يوم.. جاء يوم، طلع رئيس دورية الحرس التي قبضت على الرجل الذي كان يصرخ (إني أتخوزق) وصاح: ــ إني أتخوزاااا..ق! الأرض ارتجت من صراخه. قبض عليه الحرس والشرطة، واقتادوه إلى القاضي. فحصه القاضي جيداً. ــ لا يوجد لا خازوق ولا مازوق. لو أن خازوقاً يدخل فيه لكنا رأيناه. إنكم تعكّرون صفو المدينة، من دون مسوغ. قال القاضي قوله هذا، وأصدر حكمه عليه. جنزره من رجليه ورماه في الزنزانة. مرّت أيام.. شهر.. خرج القاضي إلى الزقاق مطيرا أطراف جبته، قاذفا لفته وقبعته، صارخا: ــ دخيلكووووم.. إني أتخوزق!.. كان صراخ القاضي عالياً، باعتبار منزلته عالية، حتى إن السلطان سمعه.. دهش السلطان مما يجري، وقال: ــ ما هذا؟ حتى القاضي يدخل فيه خازوق؟ انظروا جيداً، لنرى ما إذا كان يوجد في القاضي خازوق حقا! ذهب إليه رئيس الأطباء.. قلب القاضي وثناه وبرمه وعاين كل عضو من أعضائه، لم ير أي خازوق فيه.. وإذاك قدّم تقريرا يقول فيه: “لم يدخل في القاضي أي خازوق، لكنه يتوهم أن خازوقاً يدخل فيه ليقلقنا، ويقيم البلاد ويقعدها.. هذا لأن في عقله مرضا.. فليدخل مشفي الأمراض العقلية!”. أدخلوا القاضي مشفى الأمراض العقلية. بعد مدة، انتفض رئيس الأطباء الذي لم ير الخازوق الذي دخل في القاضي، من فراشه الدافئ عند الفجر، وخرج إلى الزقاق زاعقاً: ــ آخ.. دخيلكم.. الآن، يدخل خازوق فيّ! الذين رأوا رئيس الأطباء على هذه الحال انطووا وراحوا يدقدقون بأيديهم على ركبهم، ويقهقهون، ويقولون له هازئين: ــ واخ!.. هل جن رئيس الأطباء أيضا؟ رئيس الأطباء هذا القد قده، ويتوهم أن خازوقاً يدخله؟ وصاروا يخرجون من كل صوبٍ، ويدقون له، ويصيحون ساخرين، في حين رئيس الأطباء يصرخ: ــ يا مواطنين! أليس بينكم من يفهم بهذه الشغلة؟ إن ما يدخل فيّ ليس شوكة، إنه خازوق.. وأنا لست مسروراً من هذا.. إني أموت! غضب السلطان وقال: ــ لقد زادها هؤلاء.. يزعمون أن خازوقاً يدخل فيهم، ولا أحد يرى الخازوق. ليأت العلماء ويشاهدوا الأمر. عند هؤلاء برهان العلم، فإذا نحن لم نستطع رؤيته، هم يرونه. جاؤوا بثلاثة أساتذة من أكبر المدارس، واختاروهم كعلماء. فحصوا رئيس الأطباء من فوقه إلى قدمه، قطعة قطعة.. لم يجدوا أي خازوق داخل فيه. ــ لا يوجد خازوق داخل ولا خارج. رئيس الأطباء له هذه القيمة ويحاول تضليلنا؟ يلخبط الناس هكذا؟ كبّلوا رئيس الأطباء من يديه ورجليه، ونفوه إلى مكان بعيد.. ولم يمض إلا زمن قليل، حتى باشر الأساتذة الثلاثة بالصراخ: ــ آه، دخيلكم، يا إخوتي بالله.. إني أتخزوق! فحص شيخ الإسلام ورئيس الديوان ورئيس الوزراء العلماء الثلاثة، ثم قالوا: ــ يصرخون من دون مسوّغ.. لا يدخل فيهم لا خازوق ولا مازوق. في حين كان الأساتذة الثلاثة مستمرين بالصراخ: ــ أليس بين العباد من يرى، يا إخوة الدين؟ ها هو الخازوق يدخل. رموهم في الزنزانة. .. راح ذلك اليوم، جاء غيره، باشر شيخ الإسلام ورئيس الديوان ورئيس الوزراء والوزراء يصرخون صراخا لا يمكن وصفه: ــ آخخخخ.. رحماكم.. أي خازوق هذا الخازوق الذي يدخل فينا الآن؟ ــ لا يوجد خازوق.. لو كان.. لكنا شاهدناه.. إنكم تكذبون. تعال انظر إلى سكان تلك الدولة، مع مرور الزمن، من ابن السابعة حتى ابن السبعين، شُيّاباً وشباباً، صاروا يصرخون: ــ إننا نتخوزق!.. ــ ليفحص الذين لم تدخلهم الخوازيق أولئك الذين يقولون إنهم يتخزوقون، حتى ترى ما إذا كان ادعاؤهم صحيحا! فحص الذين لم تدخلهم الخوازيق أولئك الذين قالوا بوجود خوازيق تدخلهم، فحصوهم على نحو دقيق، لم يجدوا فيهم خوازيق. هتفوا: ــ يعيش السلطان.. برعايتكم، لم نر أي خازوق أو مازوق! هؤلاء يخرّبون ويفسدون. وهكذا، بعد مرور زمن آخر انطلق الجميع يصرخون قائلين إن خوازيق تدخل فيهم. قال السلطان: ــ ليفحص كل الآخر ويرى، هل حقاً يدخل فيه خازوق؟ فحص كل الآخر، لكن أحداً لم ير الخازوق الداخل في الآخر، فقال كل للآخر: ــ أنت كذاب! أنت ليس فيك خازوق. الخازوق يدخل فيّ وحدي، ولأنك تصرخ من دون سبب لم يعد صراخي يُسمع. .. وقع الجميع ببعضهم. راح وقت وجاء وقت. لم يعد أحد يصرخ (إني أتخوزق).. لقد اعتادوا الخازوق.. لا صوت علي الإطلاق.. ما حدث لهم حدث لسابقيهم الذين صرخوا في البدء. وفي منتصف إحدى الليالي، خرج صوت من القصر. زلزل الصوت كل شيء، فقفز الجميع من فرشهم. رمى السلطان نفسه، وهو بالقميص والسروال الداخليين إلى الزقاق، وباشر يصرخ من دون توقف: ــ رحماكم.. يا رعاياي الأحبّة.. الحقووني.. الخازوق يدخل فيّ أيضاً. قال سكان تلك الدولة: ــ هذا سلطان، والسلطان لا يكذب.. دخول الخازوق فيه أمر مؤكد، وإن صياحه على نحو أعلى من صياحنا دليل قاطع علي أن حجم الخازوق الذي يدخل في الشخص يتناسب مع مقامه. لا ريب أن الخازوق الداخل في السلطان خازوق سلطاني. السماء والأرض تئنان، والسلطان يتوسل: ــ لماذا أنتم واقفون؟ تعالوا أخرجوا الخازوق مني. قال الذين كانوا حوله: ــ يا سلطاننا! كيف لنا أن نخرجه؟ هذا الخازوق لا يشبه الخوازيق الأخرى.. إنه لا يُرى بالعين، ولا يُمسك باليد، ولا يشعر بألمه غير من يكابده. جِزّ على أسنانك، وبعد مدة من الزمن، تعتاد الخازوق مثلنا، وترتاح!.