دقّت ساعة الحقيقة؛ ماذا ستفعلون؟

محمد أبو رمان

الدلالة الأكثر عمقاً وأهمية في الكواليس والمواقف التي سبقت مفاوضات جنيف الحالية للسلام في سورية، يمكن اختزالها بعبارة واضحة صريحة، وهي “دقّت ساعة الحقيقة”، إذ أزالت إدارة الرئيس الأميركي، باراك أوباما، ما تبقى من “مكياج” دبلوماسي عن موقفها الحقيقي، أو بالأحرى الانقلاب الجذري في موقفها من “الصراع في سورية”، ومارست ضغوطاً على الهيئة العليا للمفاوضات التي تمثل المعارضة السورية، للمشاركة في المفاوضات، مع عدم وجود أي ضمانات، ومع التحلل الواضح من التزام الإدارة بربط الحل السياسي برحيل الأسد.
كانت معالم التغير في الموقف الأميركي تشي بها تسريبات وتصريحات عديدة مواربة للمسؤولين، وكذلك المؤشرات لما يدور “تحت الطاولة” بين الأميركيين والروس. لكنّ ما حدث عشية المفاوضات من الوزير، جون كيري، إعلان صريح عن انقلاب كامل تماماً في السياسة تجاه سورية، وانحياز لرؤية المعسكر الروسي- الإيراني في تصور الحل السياسي المطلوب.
الحلقة المفصلية تمثّلت بإعادة تعريف الصراع الحالي بوصفه “حرباً أهلية”، بدلاً من “ثورة ضد نظام استبدادي”، وبفك الارتباط المعقود أميركياً وغربياً بين صعود تنظيم الدولة الإسلامية وسياسات الرئيس السوري التي أنتجت ذلك. فما يحدث اليوم، عملياً، هو تغليب أولية الحرب على الإرهاب= داعش، من دون النظر إلى الشروط الموضوعية والواقعية التي أدت إلى تطور التنظيم، وسيطرته على مساحة واسعة من الأراضي في العراق وسورية.
ما هو أهم من هذا وذاك أنّ الموقف الأميركي الجديد يعكس رؤيةً جديدةً لموازين القوى الإقليمية، وللتسليم لإيران، بوصفها القوة الإقليمية الكبرى في المنطقة العربية، ولشعور الغرب، عموماً، بأنّ مصالحه، اليوم، هي أقرب إلى الصفقة مع إيران، في ظل حالة تشظي المعسكر العربي، وخلافاته الداخلية وأزماته البنيوية، فتحولت الرهانات الغربية اليوم، بصورة واضحة، إلى الاعتماد على “الحصان الرابح” في السباق.

“يسير الوضع الراهن نحو ابتلاع المنطقة، بدءاً من العراق وسورية، من المحور الروسي – الإيراني، وسيؤدي، في المحصلة، وعلى المدى المتوسط إلى “انقراض العرب” استراتيجياً وحضارياً”

من كان له تفسير آخر أو رأي وتحليل سياسي بديل، فليأت به، بدلاً من المكابرة الحالية التي تعيش فيها الأنظمة العربية، وتمنعها من رؤية ضوء الشمس الساطع في رابعة النهار؟
على الطرف الآخر، يقف المحور السعودي- التركي مصدوماً من حجم المأزق الذي يجد نفسه فيه اليوم. فالتحالف مع الغرب والولايات المتحدة الأميركية في اللحظة الراهنة، وفي ضوء موازين القوى الحالية، بمثابة الاستناد إلى حائط كرتوني. ودرجة التباين في رؤية المصالح والأولويات بين هذا المحور والإدارة الأميركية لم تعد تحتاج إلى تحليل أو تفسير، ومحاولات إمساك العصا من المنتصف من هذا المحور تجنباً للارتطام بحقيقة الموقف الأميركي لم تعد تجدِ، وسياسة “أنصاف الخطوات” باتت عبئاً حقيقياً على هذا المحور.
أكثر من ذلك، ومن باب القراءة الصريحة، بعيداً عن المجاملة الدبلوماسية، فإنّ الخطوات التي اتخذتها المملكة العربية السعودية، من أجل تقوية مركزها الإقليمي، انقلبت رأساً على عقب، وأتت بنتائج عكسية تماماً؛ كيف؟
لم تكن أغلب الدول جديّةً في انضمامها إلى التحالف، أو التوافق على رؤية استراتيجية مشتركة للمصالح ومصادر التهديد الأمني. وربما تكون أبرز الدول التي كانت تسعى القيادة السعودية إلى وضعها في صفّها، في ترسيم تحالف إقليمي، ذي طبيعة سنية، هما باكستان ومصر، لكن من الواضح أنّهما غير مقتعتين بعد، بهذه الخطوة النوعية.
تبدّت خيبة الأمل السعودية، عبر موقف كتّاب سعوديين بارزين، خلال الأزمة الأخيرة السعودية – الإيرانية، فمواقف حلفاء المملكة لم تكن صلبةً، كما كانت تتمنّى، وحتى تحالفها التقليدي مع المعسكر المحافظ العربي لم يكن صلباً وواضحاً، بما يعطي إشاراتٍ واضحةً عن المصالح المشتركة بين هذه الأطراف.
التحول في موازين القوى والمزاج الدولي والإقليمي انعكس على أرض الواقع في الصراع السوري، في الأسابيع الأخيرة، إذ تمكنت القوات السورية، بدعم مغدق من الروس، وبمشاركة إيرانية مباشرة، مع حزب الله، من استعادة محافظة اللاذقية كاملة، ومن التقدم في الجنوب والسيطرة على بلدة الشيخ مسكين الاستراتيجية، ومن السيطرة على مساحاتٍ واسعةٍ في دمشق وريفها، وإضعاف موقف بقايا المعارضة المسلحة، الموالية للسعودية والأردن، استراتيجياً، بعد قتل قائد جيش الإسلام زهران علوش.
المحور الروسي- الإيراني يرمي بكل ثقله على الأرض في سورية، والغرب والعرب يتفرّجون، بينما تشارك القوات الأميركية بقوة في معارك العراق، وتغمض عينيها تماماً عن النفوذ الإيراني هناك، وما تعرّض له السنة العراقيون من جرائم مفضوحة في محافظة ديالى، تمهيداً لتطهير طائفي، أو الحصار المطبق على الغوطة في دمشق.
صحيح أنّ الحل العسكري غير ممكن، حتى لو تغيرت الموازين حالياً، في معركةٍ غير عادلةٍ ولا نظيفة، إلاّ أن تغيير موازين القوى أمر مهم للغاية، وينعكس إقليمياً ومحلياً، من ناحية. ومن ناحية أخرى، سيسجل هذا الاختلال والتخلي عن الفصائل المعتدلة لصالح دعاية وخطاب داعش، وسيؤدي، في نهاية اليوم، إلى تدعيش السنة، وتطريفهم تحت وقع حالة الإحباط واليأس وفقدان الأمل حالياً.
يسير الوضع الراهن نحو ابتلاع المنطقة، بدءاً من العراق وسورية، من المحور الروسي – الإيراني، وسيؤدي، في المحصلة، وعلى المدى المتوسط إلى “انقراض العرب” استراتيجياً وحضارياً، وإغراقهم في حروبٍ أهليةٍ وصراعاتٍ داخلية، وحالة قبائلية في مواجهة قوى دولية وإقليمية جبارة، أليست هذه نبوءة واسيني الأعرج في رواية “العربي الأخير”؟
هل بإمكان السعودية اليوم فعل أمر آخر؟ سؤال يتطلب مصارحةً ونقاشاً عميقاً، في ظل حالة التدهور العربي؟ وما هي خريطة الطريق؟ وكيف يمكن لها وللأتراك، الذين ورطناهم، نحن العرب، معنا إعادة التفكير في المقاربة المطلوبة للمرحلة المقبلة، ولاستعادة المبادرة؟
أسئلة برسم الإجابة من الجميع. لكن المطلوب، أولاً، قراءة اللحظة الراهنة، بكل ما فيها من مؤشراتٍ خطيرة غير مسبوقة، والتفكير في خطواتٍ مغايرة لأنصاف الخطوات، وربما أحيل هنا إلى مقال قديم للزميل، جمال خاشقجي، في بداية الأزمة السورية، عندما طرح مشروع “العنوان الثالث”، متحدثاً عن ضرورة توفير بديل جهادي غير داعش وجبهة النصرة، لكن هذا الطرح المطلوب أن يتم توسيعه وتعميقه، ليصبح خياراً سياسياً استراتيجياً، وليس فقط تكتيكاً خاصاً بالحالة السورية.