تفرق العرب أيدى سبأ، واختصموا حتى حافة الاحتراب: تآمر بعضهم على البعض الآخر، وتحالف بعضهم مع العدو القومى، إسرائيل، فى مواجهة أشقائهم ــ شركائهم فى الحاضر والمستقبل ووحدة المصير.
صار لهم من «الدول» أكثر مما يطيقون، وأكثر مما تسمح به قدرات بلادهم وإمكانات شعوبهم: ملوك وأمراء ورؤساء، وقادة انقلابات عسكرية ــ وكثير من ألقاب الجلالة والفخامة والسمو، وثروات خرافية لصحارى بلا سكان، وفقر مقيم فى البلاد ذات الملايين، وهدر للطاقات بلا حدود، وعداوات موروثة من عصور القبائل ببطونها والأفخاذ.
النفط ستَار العيوب.. فإن هو لم يكفِ فالغاز جاهز لاستيلاد الدول: لا يهم أن يكون عديد سكانها محدودا، فمن قديم الزمان قيل «إن الكرام قليل..».
والنفط لا يعترف بالأشقاء... ومن طبيعة الغاز أن يستقل بذاته.
تهاوت دعوات الوحدة والاتحاد، وتعاظمت أصغر الدول بثروتها حتى إنكار هويتها القومية – الفقر يفرق، أما الثروة فتوحد بين الأغنياء، بغض النظر عن أحجامهم ومطامحهم.
اندثرت جامعة الدول العربية. وصارت واشنطن عاصمة العرب ومركز قرارهم، بالتضامن والتحالف مع إسرائيل.. وصارت مقاومة المشروع الإسرائيلى للسيطرة على المنطقة العربية موضوع اتهام بالتبعية لإيران. وطويت أعلام تحرير فلسطين، وانصب النقاش على ما يمكن أن تتنازل عنه إسرائيل للدويلة الأخرى التى ستكون رهينتها.

***
الحرب فى اليمن تزرع الموت فى أنحائها جنوبا وشمالا.. شرقا وغربا
ودمرت الحرب الأمريكية الدولة الممتازة فى العراق التى أنهكتها حروب صدام حسين ضد إيران، ثم عبر غزوة الكويت، قبل أن يتقدم جيش الاحتلال مستخدما نار الفتنة لتدمير الدولة التى كانت تتباهى بقوتها. فإذا هى الآن أشلاء: بعضها خارج من إسار «داعش»، وبعضها منفصل بقوة الأمر الطائفى الواقع.. والحكم القائم على أساس فئوى يعجز عن تشكيل حكومة جامعة..
أما سوريا التى دُمرت مدنها ومزقت جنباتها الحرب فيها وعليها المستمرة منذ سبع سنوات، فمصيرها معلق على توافقات دولية بين الروس الذين جاءوا لنجدة النظام، بناء على طلبه، والقوات الإيرانية التى أرسلت تحوطا وإسنادا لـ«حزب الله» فى لبنان، وحفظا لدور إيرانى متميز فى خريطة المنطقة مستقبلا.. مع الأخذ بعين الاعتبار التهديدات الإسرائيلية والتدخل العسكرى الأمريكى لتمزيق المنطقة، بالتواطؤ مع النزعة الإمبراطورية لتركيا إردوغان.. بغير إغفال العنصر الكردى كموضوع استثمار ممتاز، للأطراف جميعا، لا سيما الأمريكان.
فى هذه الأجواء المنعشة للطائفيات والمذهبيات والأعراق ثمة من يحرك العصبيات فى لبنان، ويحاول إعادة تجديد النقاش حول طبيعة النظام وهل هو توافقى ومؤقت بين الطوائف، أو مشروع دولة تستند إلى وحدة وطنية صامدة، تتجاوز العصبيات الطائفية والمذهبية.
وفى حين تنأى مصر بنفسها عن التحولات والصراعات الطائفية والمذهبية فى المشرق، فإن غيابها يزيد من تعقيدات الصراع الذى لا يجد من يحسمه أو يحله محافظا على استقلال البلاد وعلى مشروع مستقبل مواطنيها فيها.
من الطبيعى والحالة هذه أن تتزايد التحرشات الإسرائيلية بسوريا، حيث تتوالى غارات الطيران الإسرائيلى على بعض القواعد العسكرية التى تراها تل أبيب إيرانية.. فى حين يتعاظم التحرش الإسرائيلى بلبنان، فى جنوبه، على الرغم من وجود قوات الطوارئ الدولية التى أوفدتها الأمم المتحدة منذ سنوات بعيدة، وجددت تحديد مهماتها بعد الحرب الإسرائيلية على لبنان فى صيف العام 2006، وهى الحرب التى حققت فيها المقاومة التى احتضنها الشعب انتصارا مجيدا.
***
لقد اختلفت الصورة اليوم عنها من قبل: لم تعد إسرائيل عدو العرب جميعا.. بل ثمة اتفاقات علنية أو سرية بينها وبين عدد من العواصم العربية، ورئيس حكومتها، نتنياهو لا يكف عن التجول فى المنطقة، ما بين سلطنة عُمان وتشاد متباهيا بأن لديه العديد من الدعوات لزيارة دول عربية أو صديقة للعرب كانت ترفض استقباله أو إقامة علاقات مع دولة احتلاله.
بل أن إسرائيل لها تعاقدات للتعاون والشراكة التجارية مع عدد من الدول العربية خصوصا فى الغاز، إلى علاقات اقتصادية مفتوحة.. ومع أكراد العراق، من فوق رأس النظام فى بغداد، فى حين أنها تحالف تركيا أردوغان ضد أكراد سوريا..).
لا ضرورة للإشارة إلى أن ليبيا الآن مزق متناثرة، تتوزعها قبائل متصارعة يلقى بعضها الدعم من قطر، وبعضها الآخر من دولة الإمارات، فى حين أن مصر معنية بما يجرى فيها لأسباب تتصل بأمنها القومى.. وبعثة الأمم المتحدة تحاول جاهدة عقد المعاهدات بين القبائل والأطراف السياسية والعسكرية دون أن تضمن النجاح فى إعادة توحيد هذه الدولة التى مزقها صراع القبائل الذى وجد من يوقظه ليفيد منه فى الحصول على نصيب من ثروة النفط الغزير الذى يجعل من هذه الدولة ذات المساحة الشاسعة مع القليل من السكان إحدى أغنى مناطق الشمال الإفريقى..
وأما تونس التى تفجرت بثورة محمد البوعزيزى فأسقطت حكم العسكر فيها، فإنها قد وجدت فى ماضيها مع الحبيب بورقيبة ما هو أفضل من الحكم بالشعار الإسلامى.. والصراع مفتوح بعد، والشارع هو الحكم فى غياب قوى التغيير بالعسكر.
***

هذه صورة مقربه للأوضاع فى مختلف الدول العربية، فى هذه اللحظة.
لقد تهاوت الأحلام بوحدة الأمة والاشتراكية كطريق للتقدم والمنعة وتحرير المحتل من أرضها بعنوان فلسطين، والمحتل من إرادتها بقوة الهيمنة الأمريكية المساندة والمستفيدة من الديكتاتوريات القائمة فى مختلف أرجائها.

***

إن الأمة تعيش حالة من التفكك والضياع، يتآمر بعض دولها على البعض الآخر، بذريعة الدفاع عن النفس. ودولها الفقيرة تقف عند أبواب الدول الغنية تتسول بعض المساعدات والإعانات أو حتى الشرهات.

رئيس تحرير جريدة السفير اللبنانية

الاقتباس

صارت واشنطن عاصمة العرب ومركز قرارهم، بالتضامن والتحالف مع إسرائيل.. وصارت مقاومة المشروع الإسرائيلى للسيطرة على المنطقة العربية موضوع اتهام بالتبعية لإيران. وطويت أعلام تحرير فلسطين، وانصب النقاش على ما يمكن أن تتنازل عنه إسرائيل للدويلة الأخرى التى ستكون رهينتها.