يقول المفكر الإسلامي مالك بن نبي في محاولة لتوضيح المصاعب التي تواجه الفرد العربي في منتصف القرن الماضي “إن كيان الفرد مرتبط بصلته بالحضارة، فالإنسان إما أن يكون قبل الحضارة، وإما أن يكون في نعيم الحضارة، وإما أن يكون قد خرج من الحضارة. فالإنسان الخارج من الحضارة يحتوي على بعض الرواسب، ويكون أكثر مصدر للمصاعب في المجتمع من ذلك الذي لم يدخل بعد إلى هذه الحضارة”.

ويستمر بن نبي في محاولاته لتشخيص حالة الفرد العربي “نحن نواجه صعوبات خاصة لأننا في مرحلة انتقال إلى الحضارة أو الرجوع إليها. ولا شك فإن الإنسان بين قوتين: قوى سلبية تريد إرجاعه إلى الوراء باستغلالها طبيعة الاستقرار في الإنسان، وقوى إيجابية تدفعه إلى الأمام وإلى تحقيق مستقبله، فينبغي ألا تضعف القوى الإيجابية فينا عن الوصول إلى الحضارة”.

قيل هذا الكلام قبل أكثر من خمسين سنة، وانظر إلى حالنا اليوم لترى كم تفاقمت الصعوبات أمام الفرد والمجتمع العربي أكثر وأكثر، وإن أشار بن نبي إلى بعض الرواسب التي حملتها الشخصية العربية فإنه من الواضح للعيان أن هذه الرواسب ازدادت منذ ذلك الحين، ولا نعلم كيف ستكون ردة فعله لو كان على قيد الحياة وراقب الوضع كيف تردى إلى ما لم يكن في الحسبان.

كيف سيفسر بن نبي الوضع عندما يشاهد عصابة مدججة بأحدث الأسلحة والمعدات تحاصر قرية من المدنيين العزل، ويتصدون بكل قوتهم لمحاولات فك هذا الحصار الخانق، ويصمدون في تنفيذ خطة تجويع قذرة، كل ذلك في سبيل هدفهم الأسمى. هل تعرف هدفهم أيها المفكر الكبير؟ إنه بقاء كرسي الحكم لطاغية قتل من شعبه ما لا يقل عن نصف مليون بريء وهجر الملايين واستخدم البراميل المتفجرة بل حتى السلاح الكيماوي متى ما احتاج لذلك.

لم نعد نحلم بالحضارة بل أصبحنا نستجدي الإنسانية ونحن نرى مجرمًا يحمل سكينًا ويهم بقطع أذن ابن مدينته معصوب العينين وسط عبارات طائفية وهوس جماعي، بينما في الخلف يرقص وحش آخر على أنغام صيحات رجل يُحرق حيًا.

كيف ستتعامل أيها المفكر الكبير مع هذه الأوضاع المخيفة التي وصلنا إليها، وأرجو أن لا تحيلني إلى المثقفين العرب، فمن لم يخن المبادئ منهم توارى عن الأنظار.

حتى عندما بدأت بوادر التغيير في منطقتنا العربية، واستبشر الكثير بأن مسيرة الانعتاق من زمن التيه قد بدأت؛ كانت القوى السلبية التي ذكرتها أكثر حدة مما وصفت أيها المفكر، فلم تكتفِ بالضغط للرجوع للوضع السابق بل وصلت لمرحلة التحريض والتفويض لاستخدام القوة المفرطة وإقصاء وتصفية أخوة الثورة. حالنا لا يسر صديقًا لكنه بلا شك يسر العدو، بل الأعداء، فلقد كشفت الأعوام الخمسة الماضية أعداءً كثرًا لم يكونوا في الحسبان، بل قل لم يبقَ صديق يذكر قد يعول عليه. أما القوى الإيجابية التي تدفع إلى الأمام نحو تحقيق المستقبل المشرق، فلقد حتمت عليها الظروف على أرض الواقع أن تنشغل في مطالبة الجلاد بتحسين ظروف الانتقام ما أمكن ذلك.

وأخيرًا، أستطيع أن أزعم أنه لو قُدِّر لمفكرنا أن يقدم محاضرته اليوم ويحاول تقديم وصف لحالتنا ويقترح علاجًا للخروج من هذه الأزمة التي يعيشها المجتمع العربي، أعتقد أنه سيبدل كلمة واحدة وسيقول “… فينبغي ألا تضعف القوى الإيجابية فينا عن الوصول إلى الإنسانية أولًا ومن ثم ننطلق نحو الحضارة”.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست