حسنًا

تؤكد الكاتبة في بداية الكتاب على أن اختيارها لمفهوم “الخيال” بدلاً من “الخطاب” (وهو مفهوم غير معتاد في الأدبيات السياسية) قام على أساس شمولية الأول واتساعه حيث يشتمل على الأطر الحاكمة للخطاب الإسلامي (المتغير بطبيعة الحال) ويحدد حدود منطقه وآفاقه وهي في هذا السياق تولي أهمية كبيرة لتحليل “المفاهيم” وصيرورة الفكر فيها، وبمعنى آخر فالكتاب يهتم بالمشكلة البحثية والنظرية السياسية للحركة الإسلامية أكثر من اهتمامه بالممارسة في الواقع.

وكنتيجة لاختيارها مسار اللغة والمفاهيم كمدخل لعالم الفكر السياسي الإسلامي كان على الكاتبة تبني أدوات أحد المدارس المتعددة التي تنتهج هذا المنهج وقد وقع اختيارها على المدرسة التفسيرية والتي يعد كلاً من (هوسرل – هايدجر – غادامير) أبرز روادها ومنظريها نظرًا لما تتميز به هذه المدرسة من قدرة على تجاوز الرصد المحض للتغير والتطور الخطي للمفاهيم،  وصولا إلى فهم التصور والخيال وتشكلاته، وما الذي يستمر وما الذي ينقطع، وأين على خريطة الخطاب يتواصل الفكر مع جذور قديمة ومتى، ولماذا يتفاعل مع أنساق مناقضة له بالاستبطان والتلبيس؟ وكذلك القدرة على الإحاطة بمسارات تطور الخيال السياسي، أو بمعنى أدق تفسير عدم تحقق المسارات المغايرة للتطور وسبب إجهاضها.

تطل الكاتبة على أدبيات الحركة الإسلامية من خلال بعض المنابر أهمها مجلة المنار الجديد (وهو اختيار موفق نظرًا لتنوع محتوى المجلة واتساعه لأطياف إسلامية متباينة)، وتصل من خلال أدواتها التحليلية إلى أن نظرة الإسلاميين للدولة لا تختلف كثيرًا عن النظرة الحداثية وأنهم اندمجوا في المجريات والسجالات السياسية ومنحوها الأولوية الأولى، مما أثر على الجانب التنظيري والبحثي فلم يستطيعوا أن يخرجوا من قبضة الدولة الحديثة ومنطقها الداخلي المبني في الأساس على العلمانية، والذي يعمل كآلة جبارة للهيمنة وفرض السيادة والمحافظة على مصالح رأس المال غير مكترثة لقيم العدل والأخلاق، وانحصر اجتهادهم في محاولة أسلمة الدولة مع الحفاظ على آلياتها وأدواتها ونفس فضاءات الحركة بداخلها.

بل قد جاء طرحهم الاقتصادي طرحًا رأسماليًا ليبراليًا متشحًا بديباجة إسلامية لا تغير من جوهره، كما اتسم حديثهم عن الدولة الإسلامية بالعمومية البلاغية والتصورات التاريخية الفضفاضة وأيضًا تبين من خلال النظرة المتأنية معاناة الخيال الإسلامي من التباس كبير وقصور في التعامل من الأنساق المعرفية المغايرة كالعلمانية والديمقراطية بل الماركسية أيضًا وتعامل الإسلاميين مع هذه المفاهيم على أنها شر محض ولم يستطيعوا الاستفادة من بعض جوانبها الإيجابية مثل النقد الماركسي للرأسمالية، أو مثل إمكانية تحجيم الدولة وتضييق مساحات هيمنتها عن طريق تبني بعض مفاهيم وأدوات العلمانية.

ولم يقتصر التحليل على الحاضر الإسلامي، ولكنها نجحت في استشراف بعض ملامح المستقبل أيضًا من خلال انتهاج تحليل يسمى (تحليل مخالفة الوقائع) وهو تقليد اتبعته مدرسة فقهية تسمى (الأرأيتيين) حيث يقوم الباحث بافتراض بعض التغيرات في الوقائع ومحاولة استشراف المستقبل بناء على هذا الافتراض، وهو تحليل بالغ الأهمية في تلافي عثرات الماضي وتخيل أداء الأيديولوجيات المختلفة تحت الظروف نفسها أو العكس.

وقد اتضح من هذا التحليل تعاظم احتمالات فشل الحركات الإسلامية في تنزيل تصوراتها على الواقع في المستقبل طالما ظلت تتبنى الرؤى نفسها، وتحمل الخيال السياسي الحالي ذاتها.

تخلص الكاتبة في النهاية إلى ضرورة انتشال الخيال السياسي الإسلامي من دوامة أسطورة الدولة الإسلامية التي خلقها الفزع المبالغ فيه من العلمانية، ذلك الفزع  الذي سيطر على الإسلاميين وأسقطهم في قبضة ثنائية (الحاكمية/ العلمانية) الأمر الذي دفعهم للاستماتة في محاولات عقيمة لتركيب رأس إسلامي على جسد الدولة القومية الحديثة، غير منتبهين إلى أن منطق هذه الدولة القومية ذاته يقوض ويناقض العديد من القيم والمفاهيم الإسلامية.

وكذلك فهي ترى أن عملية الانتشال تلك سوف تتحقق عبر إحداث تغيير جذري في الخيال السياسي الإسلامي بحيث يدخل المعترك السياسي محملاً بأسئلة قبلية عن منطق الدولة الحديثة وفلسفتها ويطور رؤيته ومفاهيمه عن الأمة والدولة والسلطة والشريعة وحدودها وعلاقة الحاكم بالمجتمع والهياكل والبنى الاقتصادية والفضاءات المتاحة للحركات الرخوة والعمل الأهلي والمدني والنقابات، وكثير من المفاهيم الأخرى، وكذلك ضرورة إحداث تغيير جذري في التعاطي مع الأنساق المغايرة نحو نظرة أكثر انفتاحًا وأكثر استعدادًا للاشتباك معها في علاقات جدلية متعمقة.

كما تؤكد على أن سعي الإسلاميين للوصول للحكم وإن كان مشروعًا إلا أنه ليس الطريق الوحيد للتغيير المنشود لإحداث النهضة، بل على العكس فإن توازنات السياسة وحرص الحركات السياسية على اكتساب المؤيدين يعوق الدور التجديدي والدعوي الذي يجب أن ينال الأولوية لدى الإسلاميين من أجل إحداث تلك النهضة المنشودة؛ لأن الإجابة على سؤال النهضة حسب رؤيتها يجب أن يتم الوصول لها عبر الأمة الإسلامية وليس من خلال الدولة الإسلامية.

وأخيرًا تؤكد على أن الأمر لا يقتصر على تطوير الخيال السياسي وفهم منطق الدولة الحالية والمنشودة وما بينهما من فصل ووصل وانتقال، ولكنه لابد وأن يمتد لفهم أعمق للدين وأشكال التدين والثقافات الحاضنة له وتأثرها بالعولمة، والظروف الزمنية والمكانية والعالمية والانعتاق من سيطرة الثنائيات الصلبة (الحرام والحلال – الخير والشر – الحاكمية والعلمانية) نحو فضاء أكثر رحابة ومرونة وفهمًا لتفاصيل الواقع شديدة التعقيد والتركيب.

وفي نهاية المقال أود التأكيد على أن هذا الكتاب وإن كان يحتوي على نقد قوي ولاذع للحركات الإسلامية إلا أن أهميته تتأتي من كونه يصدر عن قلم محب يروم النصح الصادق الأمين باعتباره أحد الأبناء الواعين للصحوة الإسلامية، وهو في الوقت نفسه قلم متعمق في علوم السياسة والاجتماع بحكم تخصص الكاتبة وطبيعة عملها كأستاذ بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية.

ولا أملك قبل الختام سوى الدعاء الصادق أن يجد هذا الكتاب طريقه نحو المعنيين به من أبناء الحركة الإسلامية، وأن يستقبلوه بصدر رحب وعقل متفتح ويمعنون النظر في أطروحته لعله يعينهم على المراجعة والنقد الذي لا ينكر عاقل ضرورتهما العظيمة في هذا الوقت على الأخص أكثر من أي وقت مضى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست