إن الطغيان هو أقدم النظم السياسية، حيث تحدث أعجب عملية تقمص في التاريخ، إذ تتقلص وتتقمص الأوطان بأهلها وناسها وملايينها في شخص واحد، الزعيم، القائد، المفدي، الركن، الرفيق، … إلخ، فتسافر إن سافر، وتقيم إن أقام، وتمرض إن مرض، وتهوي إن هوى، دولة فيها ملايين العبيد يحكمها سيد واحد، تلغي عقولها وتكتفي بعقله، وتزدري ملايين الآراء وتمجد رأيه، وحيث يعيش الطاغية تنعدم الحرية ويكثر الوشاة والمرجفون، وتحاك الدسائس والمؤامرات، والطاغية نفسه يعيش في شك وريبة من الجميع، فيزرع جواسيسه بينهم تنقل حركاتهم وسكناتهم، التي تعاقبهم عليها أجهزته القمعية المسماة بالأمنية.

فذات يوم دخل طاغية التاريخ الأشهر الإمبراطور الروماني كاليجولا قاعة مجلس الشيوخ ممتطيًا صهوة حصانه تانتوس ولما اعترض أحد الأعضاء على هذا السلو ك المشين قال له كاليجولا أنا لا أدري لمَ يبدي العضو المحترم ملاحظة على دخول حصاني المحترم برغم أنه أكثر أهمية من العضو المحترم فيكفي أنه يحملني ثم أصدر قرارًا بإقالة هذا العضو وتعيين حصانه تانتوس بدلا منه عضوًا بمجلس الشيوخ وفي تعبير فج عن النفاق البشري هلل بقية الأعضاء لحكمة كاليجولا الذي دعاهم إلى احتفال كبير بمناسبة تعيين زميلهم الجديد وكانت المفاجئة أن المأدبة لم يكن بها سوى التبن والشعير فلما اندهشوا قال لهم كاليجولا إنه شرف عظيم لهم أن يأكلوا من صحائف ذهبية ما يأكله حصانه.

وقبل ذلك أباح كاليجولا لنفسه كل جريمة في حق رعيته وكان يردد: أني إن لم أقتل اشعر بأنني وحيد وإذا أعجبته أي امرأة متزوجة يأمرها بالطلاق من زوجها، فلم توجد امرأة ذات مكانه إلا دعاها إليه كما قال عنه المؤرخ وول ديورانت فهو أعتى طاغية في التاريخ الإنساني المعروف بوحشيته وجنونه وقد اقتدت به جموع الطغاة إلى اليوم مهما باعدت بينهم مسافات الزمان والمكان يتفقون في قدرتهم على تخنيث الشعوب فالحاكم الطاغية أو الديكتاتور أو المستبد وأشباههم كلهم إخوة، ولو في الرضاعة، حاكم يرى نفسه ذا طبيعة إلهية.

فالحضارات القديمة عمومًا، في مصر وفارس والهند والصين، قامت على أساس هذه النظرية، وكان الملوك والأباطرة ينظر إليهم بوصفهم آلهة، وإن كان الرومان قدسوا الإمبراطور فإنه يبقى أن للاستبداد والطغيان الشرقي مذاقه الخاص المعتق، حتى إن الفيلسوف أرسطو أرسل إلى تلميذه الإسكندر الأكبر رسالة ينصحه فيها بمعاملة اليونانيين كقائد لهم، وأن يعامل الشرقيين معاملة السيد، لأنهم عبيد، وقد تبعه هيجل في ذلك عندما قال إن الشرقيين كانوا جميعًا عبيدًا للحاكم الذي ظل هو وحده الرجل الحر في الدولة لذلك فإنه ليس للديكتاتور قيم أخلاقية فلا وفاء بوعد، ولا كلمة شرف، وسرعان ما تتسرب صفاته وآثامه إلى المجتمع، فتتخلق نماذج مصغرة منه، فكما تكونوا يولَّ عليكم، فتجد كل من يؤدي مهنة ترتبط بها مصالح الناس مستبدًا متعجرفًا أو مرتشيًا قامعًا، أو مدير عمل ظالمًا أو أبًا متسلطًا، فالرعية في نظرهم زمرة أغنام في قبضة ذئب ضار ينهش أعراضهم، ويسفح دماءهم.

إنه استرقاق جماعي، فالديكتاتوريات تكشر عن أنيابها، خلال شروط تاريخية معينة، مثل فترات تعرض البنيان الاجتماعي لأزمات تحت ضغط ظروف مختلفة، تسقط مشروعية الحكم في أزمة، ويكف الرأي العام عن الإيمان بها، وقد جرت العادة في بلاد فارس، قديمًا، عندما يموت الملك، أن يترك الناس خمسة أيام بغير ملك وبغير قانون، لتعم الفوضى والاضطرابات جميع البلاد، والهدف من ذلك هو أن بنهاية هذه الأيام الخمسة، وبعد أن يصل السلب والنهب والاغتصاب إلى منتهاه، فإن من يبقى على قيد الحياة، بعد تلك الفوضى الطاحنة سوف يكون لديهم ولاء حقيقي وصادق للملك الجديد، إذ تكون التجربة قد علمتهم مدى رعب الحالة التي يكون عليها المجتمع، إذا غابت السلطة السياسية.

ومن ثم نستحضر مقولة مبارك قبل التنحي (أنا أو الفوضى)، وما أعقبها من انفلات أمني، وتسريب المجرمين والبلطجية من السجون، لإرهاب الشعب وترويعه، ودفعه للنكوص عن ثورته. لذلك فمن أراد من تلك الشعوب المكلومة العيش في أمن وأمان عليهم أن ينحنوا حتى تتقوس ظهورهم، وأن يبتكروا عبارات التبجيل ويحتفلوا بالإنجازات الوهمية الدائمة للزعيم المبجل. فذاك الديكتاتور هو من يتحكم في بسط الأمن والشعور به داخل تلك المجتمعات فمن أراد العيش في تلك النعمة ويتمتع بها عليه أن يقدس الديكتاتور الحاكم فما من مستبد سياسي إلا ويتخذ له صفة قدسية يشارك بها الله، أو تعطيه مقامًا ذا علاقة بالله.

لذلك نجد أوطاننا عندما يأتي إليها الطغاة تصبح على اتساعها سجونًا مظلمة وأقبية للفساد والعنف والخراب حتى لو أخرج الزعيم القائد من قبعة الديكتاتورية (أرنبًا) اسمه الديمقراطية يتقافز على وقع الطوارئ المقيدة للحريات واعتقالات وسجون مرعبة وتعذيب منهجي وتزييف للانتخابات وتعددية حزبية شكلية لحساب الحزب الحاكم واحتكار للمال والسلطة بمنطق تاجر البندقية، بعد أن وصل الوجدان السياسي الأمار بالسوء إلى حد تاليه المستبد ونشأ لون من التواطؤ الجمعي بين أفراد الشعب على السكوت عما يجري انتظارًا للفجر الموعود، ومن ثم لا يمكن إنكار مسؤولية الشعوب عن وقوعها فريسة للديكتاتورية والفساد وأيضًا قدرتها على وضع حد نهائي لعصور الظلمات والطغيان.

لذلك تلجأ تلك الشعوب المكلومة إلى الثورات عندما يضيق عليها الخناق في شتى سبل الحياة من تدنٍّ لمستوى معيشة وانتشار للفقر والأمراض وغياب للحريات والحقوق السياسية وانتشار للفساد واتساع معدلات البطالة، حين ذلك تسعى تلك الشعوب إلى التخلص من ذلك الديكتاتور ونظامه برمته فتصبح تلك الشعوب التي ظلت خانعة إلى ذلك الديكتاتور لعقود ذئاب بشرية تأكل كل ما يحول بينها وبين ثورتها للقضاء على ذلك الديكتاتور، فكثرة الضغط يولد الانفجار وكثرة الظلم والتعذيب داخل غياهب سجون ذلك الديكتاتور يميت القلب فتتحول تلك الشعوب إلى ثأر يريد أن يثأر لكرامته وحقوقه على مدى عقود من الزمان فيحرقون وقتها الأخضر واليابس.

فتكون نهاية ذلك الديكتاتور المفزعة عندما تثور عليه هذه الشعوب ثأرًا لكرامتها ويكفي أن تتذكر خواتيم أمثال لويس السادس عشر والحجاج بن يوسف وهتلر وموسوليني وبينوشيه وتشاوسسكو والقذافي وزين العابدين بن علي ومبارك وغيرهم من طغاة التاريخ ممن أركسهم الله بتسلطهم على شعوبهم.

ولا غالب إلا الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست