لكي تعرف لماذا كل أمور حياتك سيئة داخل بلدك، أو تريد أن تعرف لماذا وطنك متخلف وفاشل في مختلف المناحي والأصعدة، فما عليك سوى البحث عن دورك فيه، وعن سلوكياتك وأفعالك داخله، بدءًا من سلوكياتك تجاه محيطك القريب والأقرب، مرورًا بسلوكياتك تجاه الأشخاص والمجتمع، إلى سلوكياتك تجاه كل الأشياء الأخرى فيه، فحينئذ ستفهم النتائج التي تجنيها منه، وستفهم كذلك لماذا وضعك هو كذلك فيه، وبالتالي ستفهم لماذا هو فاشل أيضًا في مختلف المجالات والقطاعات.

هناك دائمًا قاعدة معروفة في قانون الفيزياء “النيوتني”، وهي قاعدة “الفعل ورد الفعل”، أي أن لكل فعل ردَّ فعلٍ مساويًا له في المقدار ومعاكسًا له في الاتجاه، هذا القانون ينطبق بحذافيره على سلوكياتنا وتصرفاتنا تجاه كل الأشياء في حياتنا وفي كل من حولنا، بدءًا من أكبرها أهمية وأشدها تأثيرًا، وانتهاءً بتلك الأشياء التي نرى فيها العناصر التافهة وحتى الأتفه منها فيها، فنحن نعيش في دوامة ووسط حلقة تشكل فيها جميع أفعالنا وسلوكياتنا الوقود المحرك لها وتكون نتائجها بقدر أعمالنا في تلك الحلقة.

بهذا فأكبر مشاكل وتحديات هذا الوطن، هم الأشخاص الذين يعيشون فيه. بمعنى آخر، نحن أكبر عالة على أوطاننا ولا أحد آخر غيرنا… فنحن دأبنا دائمًا على انتقاد هذا الوطن، ولا نتوانى عن توجيه سهام الاتهام إلى الآخرين فيه وتحميلهم كامل المسؤولية لما يقع لنا أو يحدث من حولنا، لكن لا نتحلى أبدا بذلك القدر الكافي من الشجاعة والمروءة لنحمل تلك المسؤولية لأنفسنا أولًا قبل أي أحد آخر.

فلنكن واضحين وصرحاء مع ذواتنا قبل أن نكون كذلك مع الآخرين، نحن للأسف أفرادًا وشعوبًا، لم نُنَشأ لا على ثقافة الواجب، ولا على ثقافة تحمل المسؤولية، ولم نتعلم كذلك حتى كيف نعمل من أجل الآخر قبل الأنا، فحتى فهمنا “للحق” غالبا ما يكون مشوهًا ومنقوصًا، أو أننا نراه فقط من المنظور الذي يخدم مصالحنا الشخصية والذاتية لا غير.

كذلك أيضًا نحن في العادة لا نكلف أنفسنا ولو بشكل عفوي، حتى مع قرارة أنفسنا، أو في لحظة تأمل ونقد ذاتي؛ عناء طرح تساؤل ولو من باب الاحتمال، هل يمكن أن نكون نحن من يتحمل مسؤولية ما وصل إليه وطننا وبلدنا أو مجتمعنا؟ المشكلة ليست في الجواب القطعي والحتمي بـ”لا” فقط، لكن المعضلة الأكبر التي لا يأبه ولا يبالي بها أحد، هو ألا أحد فكر أصلا إذا كان يجب أن يتساءل مثل هذا السؤال، لأن قليلين للغاية من يفكرون بهذه العقلية “خدمة البلد قبل الذات” وعقلية تقديم مصلحة البلد والوطن على أي مصلحة شخصية أخرى، بغض النظر عن ماذا سنجني وماذا سيعطينا نحن هذا الوطن ..

فتربيتنا الأسرية والمدرسية، وتنشئتنا الاجتماعية وبنيتنا الثقافية، أو كل هذه الأشياء رسخت فينا تلك النزعة الفردانية وعقلية “الأنا ومن ورائي الطوفان”، تلك العقلية التي نمطت أنفسنا مع تلك المعادلة الرياضية التي ننظر بها للأشياء دائما، من خلال مقاربة انتهازية ونفعية محضة، ومن زاوية نظر واحدة ووحيدة وهي كم سآخذ؟ وماذا سأستفيد من هذا البلد فقط؟ ولا نفكر أبدًا في ماذا سنعطي أو سنقدم.

فدعونا إذًا من كل ما فعل بنا الآخر ولنبحث في ماذا فعلنا نحن بالآخرين، أو ماذا فعلنا نحن من أجلهم، فبدل أن نوجه أصبع الاتهام إلى ذلك الآخر ونحمله المسؤولية عند أي فشل يلحقنا، أو يلحق محيطنا الخاص أو المجتمع والبلد، فيجب أولا أن نوجه الأصابع التسع الباقية إلى أنفسنا وذواتنا لنرى إن كنا أشخاصا كاملين، وأشخاصا يقومون بواجباتهم تجاه الوطن وتجاه الآخرين فيه، قبل البحث عن ذلك الكمال في ذاك الآخر.

فأهم سؤال كان من المفترض أن نوجهه لأنفسنا قبل الآخر لكن لا نفعل ذلك، هو ماذا قدمنا نحن لهذا الوطن؟ وهل يمكن لأحدنا أن يذكر مثلا خدمة أو إنجازًا واحدًا في حياته قدمه لهذا الوطن (بدون مقابل)، بالطبع ستبحث وتقلب كل ذكرياتك وماضيك رأسًا على عقب، وستعود بأدراج ذاكرتك على كل المحطات وكل الأشياء التي قمت بها، وستستعين بـ”غربال” بفتحات واسعة في ذلك، علك تجد شيئا عن ذلك الإنجاز أو العمل الذي قد تكون قدمته في سبيل هذا الوطن، وليس لشخصك ولذاتك أو مصلحتك الشخصية… لكن اطمئن سنكف عنك عناء كل ذلك فمن الآخر أنت لم تقدم أي شيء لهذا الوطن.

فبما أن هذا الوطن لا يزال يعيش مستوى من الحضيضية في معظم القطاعات، وبلغ من الفشل حد مرحلة الاحتضار، فلا عجب إذًا أن نترقب تشييعه إلى المثوى الأخير في قريب الأجل إذا ما استمرت الأمور على هذا المنوال.. وما دام هو كذلك، فلا أنا ولا أنت ولا هو ولا أي أحد آخر فيه قدم له أي شيء، وفشله ذاك هو من فشلنا نحن كأشخاص نعيش فيه، ولو أننا لسنا ذلك لما كان هو كذلك.

فعندما تجد المواطن فاشلًا والأسرة فاشلة والمدرسة هي الأخرى كذلك، فبالطبع لن ننتظر من المجتمع أن يكون غير ذلك، ولن ننتظر من البلد أن تكون غير فاشلة.

لكن الذي يجعل الأمور تسير من سيء إلى أسوأ، ولا تبشر بأي انفراج في الأفق، هو أنه إلى اليوم ما زلنا لا نملك الجرأة ولا نتحلى بالقدر الكافي من الشجاعة كما الشأن في الأمم الأخرى، وأن نعترف أننا سبب الفشل، وأننا وحدنا دون غيرنا من يجب أن يتحمل كامل المسؤولية في ذلك، وإذا ما كان هناك من يجب أن يدفع الثمن فهم نحن دون سوانا، مع مراعاة اللا رأفة في ذلك.

فلننسَ قليلا إذًا لوم ذلك الآخر كما على عادتنا في كل مرة، ودعونا أيضًا من لوم أولئك السياسيين بالخصوص، الذين غالبا ما يكونون الحائط القصير، والشماعة التي دأب المواطن دائما على تعليق كل مشاكله عليهم، بدءًا من المشاكل الاقتصادية والمادية الخاصة، وانتهاءً بفشله في واجباته في غرفة النوم الزوجية.

ولنتحلَّ بقليل من الجرأة، ولنحمل أنفسنا ولو قدرًا صغيرًا من المسؤولية، ما دامت ليست لنا تلك الشجاعة التي تجعلنا نتحمل جزءها الأكبر على الأقل. ولنسائل ذواتنا ولو لمرة واحدة، عن ما هو ذاك الشيء الذي أعطيناه للبلد أو قدمناه من أجل الآخر فيه؟ أو عن قيمتنا المضافة لهذا الوطن؟

صحيح قد يكون مدلول “الوطن” أو “الوطني” نفسه مشوهًا، أو لا يحمل أي معنى يستحق الوقوف عليه أو التأمل عند الإنسان العادي البسيط، ما دامت مترسخة في أذهاننا وعقولنا دوما بتلك الشخصية النافذة المتنفذة، أو ذاك السياسي الفاسد المفسد، من الذي يظهر على شاشة التلفاز الرسمي، بهندامه الأنيق ومظهره الحسن الأخاذ السار للناظرين، ليلقي لنا دروسًا ومواعظ هو يحفظها عن ظهر قلب، عن معان ومواصفات المواطن “المواطنة الحقيقية”، والتي يحرص فيها صاحبنا ويؤكد ويقسم بأغلظ أيمانه وأرقها أنه نموذج لها، وأنه هو الواحد الذي لا شريك له في ذلك .

لا لا… لسنا نقصد ذاك.. ذاك وطن السياسي فقط، وذاك لا يعنينا في شيء، فلا نحن نحس به ولا هو يحس بنا، فعلاقتنا به لا تتعدى بطاقة هوية باسم بلد بنفس الاسم، وحدود رقعة جغرافية تجمعنا مدققة الرسم والخطوط قد تعني شيئًا وقد لا تعنيه…

وطننا ليس هو وطن السياسي – المدنس – ذاك، وطننا هذا لا تختزله لا قطعة قماش اسمها “علم”، ولا معزوفة موسيقية اسمها “نشيد وطني” ولا حتى قطعة نقدية اسمها “عملة”… وطننا ببساطة هو شيء يعيش فينا قبل أن نعيش فيه، وذلك الوطن الذي نحسه في أعماق وجداننا لكن لا نستطيع تلمسه، هو أكبر من أن يختزل لأنه أكبر من أي قيمة مادية كي يلمس.

بالطبع منكم من سيقول بما أنني جزء من هذا الوطن فأي شيء أقدمه لنفسي ولذاتي فكأنما أقدمه للوطن، لأننا غير مفترقين بأي حال من الأحوال، وهناك من سيقول – وأصحاب هذا الاتجاه كثيرون – بأن الوطن هو من يجب أن يعطيني ويخدمنا وليس العكس.

وهناك من سيقول وبحكم عمله (معلمًا، طبيبًا، سباكًا، بناءً، موظفًا، ضابطًا، رياضيًا،  سياسيًا… إلخ)، بأنه أفنى كل عمره في تقديم الخدمة لهذا الموطن لأنه معلم، أو طبيب، أو أحد من المهن سالفة الذكر… دون أن تكون له الجرأة على أن يحمل المسؤولية لنفسه في تردي أو في فشل القطاع الذي هو جزء فيه، هذا لو افترضنا أصلا أن المسألة ليست مادية قبل أي شيء آخر .

خلاصة الكلام، كل ما يحدث لنا وما يحدث لأوطاننا بشكل أو بآخر هو انعكاس لما نقوم به تجاه غيرنا، وتجاه أوطاننا كذلك. فذلك الآخر الذي لا نتوانى عن توجيه كل سهام النقد اللاذع في أي مناسبة أو دونها، هو نفسه ذلك الـ”نحن”، عند الآخر الذي يرى فينا تلك الصورة التي نراها نحن في غيرنا، كن معلمًا أو كن طبيبًا أو كن شرطيا أو حتى إنسانًا بلا عمل خاص حتى داخل المجتمع، أو كن أي شيء تريده، فكل النتائج التي تحصل عليها هي انعكاسات لأعمالك وسلوكياتك، ففعلك بمقدار رد الفعل عليك.

من كل هذا وذاك فنحن في أمس الحاجة إلى القيام بعملية نقد ذاتي ومراجعة شاملة لأنفسنا وتصرفاتنا، وكل الأشياء التي تصدر منا وعنا، لا تجاه أنفسنا ولا تجاه الآخر، فنحن فاشلون حتى في فشلنا لأننا لم نستطع إلى الآن الاعتراف به كخطوة أولى حتمية لتشخيص مكامن الداء الحقيقية، غير ذلك فلن نتمكن من صنع لا وصفة ولا دواء للعلاج.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست