الخبر السار والمفرح للحكومة، أن يوم ٢٥ يناير مر من دون أى تهديدات حقيقية، بعد أن تبين أن جماعة الإخوان فقدت القدرة على الحشد والمبادرة والتحدى.


الخبر السيئ للحكومة، أن التحديات الحقيقية لها ليست جماعة الإخوان، بل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية.


إذا كانت ذكرى يناير مرت على خير كما تمنت الحكومة وسائر أجهزتها الأمنية، فذلك لا يعنى أن المشكلة قد انتهت.


مرت ٢٥ يناير، لأن غالبية المراقبين قالت إن جماعة الإخوان صارت منشغلة بصراعاتها الداخلية بين تيار الكبار أو العواجيز وتيار الشباب، والجماعة ليست فى حالة تسمح لها بحشد أنصارها لتحدى الحكومة، بل هى منشغلة أكثر بالبحث عن طريقة تعيد فيها الأمور داخلها إلى ما كان عليه الحال قبل ثورة يناير ٢٠١١.


ثم إن هناك تقديرات تقول إن الضربة الحقيقية التى تعرضت لها الجماعة، لم تكن تلك التى جاءت من الحكومة وأجهزة أمنها، بل من غالبية الشعب المصرى الذى ساند الجماعة طويلا قبل الثورة، ثم اكتشف أنها «تاجرت ونصبت عليه باسم الدين».


تعرضت الجماعة للانقسام، لكنها لم تتلاش أو تتبخر، الخطر الأكبر هو العديد من الشباب اليائسين الذين ينضمون إلى داعش أو تنظيمات متطرفة أخرى فى خلايا صغيرة، تشن عمليات عشوائية غير منظمة، على غرار «الذئاب المنفردة التى تعمل فى أوروبا».


لكن التحدى الأكثر خطورة الذى يواجه الحكومة، هو التحدى الاقتصادى الاجتماعى. هناك الملايين من الباحثين عن فرصة عمل، أو حد أدنى من الحياة الآدمية الكريمة أو حتى «الحياة المستورة».


أحد تجليات ثورة يناير، أنها قضت على فكرة «هيبة الدولة بالمفهوم القديم» أى الخوف الغريزى الذى كان يسكن رأس المواطن، انتهى أو يكاد يكون. فى الماضى كان يكفى أن يدخل عسكرى صغير ليجعل قرية «تنام من المغرب»، لأنه يمثل الدولة بكل بطشها. الآن لم يعد ذلك ممكنا إلى حد كبير، وإذا حاولت الحكومة وأجهزتها أن تفعله، فإن الثمن يكون باهظا وفادحا، والسر ليس فقط ثورة ٢٥ يناير، بل وسائل التواصل الاجتماعى التى أعطت المواطن البسيط «قوة المعرفة، وسطوة الإحساس بالجماعة».


تستطيع الحكومة وأجهزتها، أن تأمن إلى حد كبير من خطورة جماعة الإخوان فى الفترة المقبلة، لكن كيف يمكنها أن تكسب عقول معظم الشباب خصوصا فى الجامعات من دون أن تكون لها رؤية واضحة بشأن العديد من الملفات خصوصا الحريات، وحقوق الإنسان، والعدالة الاجتماعية؟.


غالبية المصريين خرجوا وأيدوا كل الحكومات بعد ٣٠ يونيو، وفوضوا وزير الدفاع وقتها، الفريق عبدالفتاح السيسى، فى محاربة الإرهاب، ثم انتخبوه رئيسا للجمهورية، وأعطوه شيكا على بياض. الآن غالبية هؤلاء، أو قسم معتبر فيهم يريد أن يحصل على الحد الأدنى من الحياة الكريمة. فى المقابل الأوضاع الإقليمية والدولية فى غاية السوء. هناك منطقة ملتهبة وحروب أهلية ومذهبية وعرقية وقبلية وجهوية، منتشرة فى كل مكان، وأسعار البترول فى أدنى مستوياتها منذ سنين. والاقتصاد العالمى فى أسوأ أوضاعه، خصوصا بعد تباطؤ النمو الصينى، وأزمة منطقة اليورو. والصراع الغربى الروسى، ثم السعودى الإيرانى.


كل هذه العوامل تجعل هامش الحركة المصرية قليلا إلى حد ما، وإذا أضفنا تحدى سد النهضة، وعدم قدرتنا على الوصول إلى اتفاق مرض لصالحنا أمننا القومى، تزيد الضغوط على صانع القرار المصرى، الذى لم يعد يمتلك العديد من أوراق الضغط الإقليمية، كما كان الحال عليه قبل سنوات طويلة.


الخلاصة، إن الحكومة وأجهزتها عليها ألا تفرح كثيرا بأن يوم ٢٥ يناير قد مر بسلام. هذا يوم واحد، وهناك ٣٦٤ يوما أخرى فى السنة، وسنوات أخرى قادمة، ومن دون أن تصل لعموم الناس أن هناك تصورات وخططا ورؤى وأملا فى المستقبل، فسوف تتفاجأ الحكومة وأجهزتها بأن الانفجارات سوف تأتيها من أماكن مختلفة وفى أيام متعددة!!.