لمدة ما يقرب من عام الآن، يدور الحديث حول قانون جديد للتعليم من المنتظر أن تتم مناقشته بعد انعقاد مجلس النواب الجديد. وبينما يتم تسريب مسودة للقانون الجديد إلى الصحافة كل بضعة أشهر، فإن هذه المسودات لا تعد بأى تطوير حقيقى للتعليم ولا تعكس إدراكا بمدى فداحة وضع التعليم الحكومى فى مصر والدور الذى يمكن أن يلعبه التشريع فى إصلاح هذا الوضع. ويبدو أن المسودات تخاطب فى المقام الأول العاملين بالتربية والتعليم بتقديم وعود لهم بزيادات فى الأجور فى غياب تام لرؤية استراتيجية شاملة للنهوض بالتعليم وعلاج نقاط الضعف الأساسية فيه، بدءا من وضع المناهج وانتهاء بإنشاء المدارس. كما لا يعد تسريب المسودات سبيلا لإجراء حوار مجتمعى حقيقى حول قانون شديد الأهمية يمس مستقبل البلاد وأغلب الأسر المصرية.


بالتأكيد فإن ما نراه فى هذه المسودات ليس هو المأمول من قانون جديد للتعليم بعد ثورتين ودستور جديد يلزم الدولة بتوفير تعليم «وفقا لمعايير الجودة العالمية». هل نسن قانونا جديدا للتعليم لكى نعالج قضايا التعليم أم لكى نجرم الإساءة للمعلمين فى الإعلام أو نؤكد على بديهيات موجودة فى اللوائح بالفعل مثل الانضباط والحضور والغياب واحترام طابور الصباح؟ نعلم جميعا أن المدارس لا يمكنها أن تجذب الطلاب للانتظام أو تدفعهم لاحترام المدرسين والطابور إلا إذا كانت تقدم لهم تعليما جيدا ومعاملة محترمة. وهذا ما يجب أن يعنى به القانون الجديد. ونعرض هنا أربعة محاور أساسية يجب أن ينص عليها القانون الجديد أملا فى بدء حوار أوسع حول هذا الشأن.
***


ويركز المحور الأول على خلق آلية شفافة لتطوير جذرى للمناهج التعليمية ونظم الامتحانات، وقد أشرنا إلى بعض محاور هذا التطوير فى مقالات سابقة. والهدف الأساسى أن يمثل ذلك تخليا تاما عن الآليات الحالية التى كانت سببا فى الحالة المخزية التى وصلت إليها الكتب المدرسية والمناهج والامتحانات. ويبدأ ذلك من خلال النص على إنشاء لجنة مستقلة تتضمن مثقفين وعلماء وخبراء تربويين وأعضاء من مجلس النواب تضع الضوابط والاستراتيجيات العامة للتطوير وتضطلع بالإشراف على مجموعات عمل عالية الكفاءة تقوم بصياغة مناهج ونظم تقييم جديدة لكل مادة، ذلك على أن تخصص لها الموارد اللازمة للعمل على أساس علمى ومهنى. وعلى الرغم من وجود مصالح عميقة ومتشابكة ستسعى حتما لعرقلة مثل هذا الإصلاح، إلا أنها لن تشكل أهمية تذكر إذا كانت هناك إرادة سياسية حقيقية للتغيير.


أما المحور الثانى فهو إصلاح نظم إنشاء الأبنية التعليمية ووضع خطة زمنية لإلغاء تعدد الفترات فى المدارس. وكان قد تم اللجوء إلى نظام الفترات لعلاج مشكلة كثافة الفصول وتعقيدات بناء المدارس من خلال السماح لمدرستين أو أكثر باستخدام نفس المبنى على فترات منفصلة. ثم تفاقم الوضع حتى أصبحت مدارس الفترات تشكل نحو ٥٠٪ من مدارس التعليم الأساسى. وفى حين أدى ذلك إلى تحسين المؤشرات الرسمية لكثافات الفصول، إلا أنه أسهم فيما نراه من انهيار للجودة، حيث يتوقع من الطلاب تحصيل كل المواد الدراسية فى ثلاث أو أربع ساعات بدلا من يوما دراسيا كاملا. يجب أن يستحدث القانون الجديد آلية مستقلة لصياغة قواعد جديدة أكثر مرونة وشفافية لإنشاء المدارس تعتمد استراتيجيات مبتكرة لمواجهة النقص فى أراضى البناء، حتى يتسنى إنشاء المزيد من المدارس وتلافى إهدار الموارد الناتج عن الفساد الذى شاع عن قطاع الأبنية التعليمية.
***


المحور الثالث الذى يجب أن يؤكد عليه القانون هو زيادة حجم الإنفاق على التعليم مع إعادة توزيعه طبقا لمتطلبات الإصلاح. ولكن ليس الهدف من رفع ميزانيات التعليم أن تبتلعها أجور المعلمين والإداريين، التى يخصص لها بالفعل ما يقرب من ٩٠٪ من الميزانية. فالأهم من زيادة الإنفاق هو تخصيص نسب أكبر منه لكل ما يتعلق بالجودة بدءا من تدريب المعلمين إلى تطوير المناهج والأنشطة. ولا يمكن أن تظل الوزارة تعتمد على البرامج الأجنبية فى جهود التطوير، لأن هذا الاتجاه الذى ساد على مدى عشرات السنين لم يؤد إلى تغييرات عميقة فى النظام بعد انتهاء مدة عمل تلك البرامج. ووفقا لما ينص عليه دستور ٢٠١٤، «تلتزم الدولة بتخصيص نسبة من الإنفاق الحكومى لا يقل عن ٤٪ من الناتج القومى الإجمالى، تتصاعد تدريجيا حتى تتفق مع المعدلات العالمية». بل إن زيادة الإنفاق يجب أن تفوق المعدلات الدولية فى مرحلة الإصلاح لأن مصر أمامها الكثير لتعوضه حيث إنها تحاول النهوض بنظام ضعيف للغاية. فمصر لا تحتاج مثلا للإنفاق فقط على تدريبات محدودة لمعلمين مؤهلين على أعلى المستويات أو على برامج علاجية لأعداد صغيرة من الطلاب ضعيفى التحصيل كما هو الحال فى الدول الأخرى. فقد اعترفت وزارة التعليم أخيرا بأن نحو ٣٠٪ من طلاب السنة الرابعة الابتدائية لا يملكون الحد الأدنى من مهارات القراءة والكتابة (بينما يرى الخبراء أن هذه النسبة أقل من الواقع بكثير). بل وقد أظهر تقرير الأمم المتحدة للتنمية لعام ٢٠١٤ أن ٣٥٪ من طلبة المرحلة الإعدادية فى مصر لا يملكون مهارات القراءة والكتابة المطلوبة. وفى آخر اختبارات العلوم والرياضيات العالمية، ظهر أن ما يزيد على ٥٠٪ من الطلاب المصريين لا يصل إلى الحد الأدنى من المعدلات المطلوبة. وفى حين تنفق تونس مثلا نحو 7.4٪ من إجمالى ناتجها المحلى على التعليم وتنفق المغرب 5.9%، فإن مصر أنفقت فى ٢٠١٤ نحو 3.9٪ فقط. وتتضح أسباب تدهور التعليم بصورة أكبر إذا نظرنا إلى نصيب الطالب من الإنفاق، حيث تنفق مصر أقل من ربع ما تنفقه تونس والأردن ولبنان على كل طالب.


ومن ثم فإن أى اتجاه لترشيد الإنفاق فى قطاع التعليم لا يمكن أن يأتى على حساب الجودة أو حقوق غالبية المعلمين، وإنما قد يتم من خلال إنشاء لجنة من الخبراء المستقلين لعلاج مشاكل الفائض والنقص فى توزيع المعلمين والعاملين وتفعيل الرقابة على أوجه الفساد المالى والإدارى فى المنظومة التعليمية.


أما المحور الرابع فهو تخصيص نسب أكبر من الإنفاق لمراحل الطفولة المبكرة والتعليم الأساسى والمناطق المحرومة. وطبقا لتقارير الوزارة، تخصص مصر ٣٠٪ فقط من ميزانية التعليم للتعليم الابتدائى، وذلك مقارنة بنحو ٥٠٪ فى تركيا و٤٠٪ فى الدول الأوروبية. ووفقا لما ينص عليه الدستور، فإن المناطق المحرومة تاريخيا مثل صعيد مصر يجب أن تلقى اهتماما خاصا من الدولة. ولبناء أسس قوية للتعلم ومعالجة ضعف المهارات فى المواد الأساسية وعدم التوازن فى توزيع المعلمين المؤهلين، يجب أن يركز القانون الجديد على ثلاثة عناصر فيما يتعلق بالمناطق المهمشة والمراحل المبكرة من التعليم: ١) سن نظم خاصة تضمن وتشجع توظيف المعلمين المؤهلين فيها. ٢) زيادة ميزانيات التنمية المهنية وتكثيف تدريب المعلمين والموجهين فيها. ٣) تخصيص الموارد اللازمة لبرامج علاجية محكمة لرفع أداء الطلبة.
***


إن تركة عهد مبارك من إهمال التعليم ودفع الطلاب للاعتماد على الدروس الخصوصية لم تؤد إلا لجودة متدنية وتكريس لللامساواة وغياب للانضباط فى التعليم العام والخاص سواء. وليس أمامنا الآن خيار سوى إصلاح شامل لنظام التعليم الحكومى الذى يلتحق به ما يقرب من ٩٠٪ من طلاب مصر. ننتظر إذن من لجنة التعليم فى البرلمان أن تسهم فى صياغة قانون جديد للتعليم برؤية تهدف لإصلاح جذرى للمنظومة التعليمية فى مصر.