في تجربة مثيرة أجراها عالم عبقري منذ سنوات عديدة قام بحبس فأر في قفص ووضع أمامه وعائين متماثلين أحدهما به ماء صافٍ والآخر به ماء مذاب فيه مخدر الهيروين، حاول الفأر الخروج من القفص بشتى الوسائل وأخد يرتشف القليل من الماء وبعد فترة دب اليأس في قلبه وتأكد من استحالة تحرره من محبسه واتخد قرارًا في غاية الغرابة فلقد أعرض تمامًا عن إناء الماء الصافي وأخذ يشرب بنهم من الإناء الآخر واستمر ذلك الأمر حتى وصل تركيز مخدر الهيروين في جسده لمستوى مرتفع للغاية أصابه بالتسمم ومن ثم مات الفأر.

ولكن تجربة ذلك العالم لم تقف عند ذلك الحد، فلقد قام باستئجار حديقة جميلة غناء ووفر فيها العديد من وسائل الراحلة للفئران مثل الأطعمة المحببة لهم وألعاب صغيرة مبهجة الألوان كرات وغيرها الكثير حتى أنه أطلق عليها “حديقة الفئران” ثم أحضر مجموعة من الفئران الذكور والإناث وتركهم في تلك الحديقة بعد أن وضع بالحديقة نفس الإنائين كما بالتجربة السابقة، إناء ماء صافٍ والاخر إناء به ماء مذاب فيه مخدر الهيروين وأخذ يلاحظ سلوك الفئران، أخذت الفئران تجوب الحديقة بحرية تامة وتتناول الأطعمة وتتزواج فيما بينها وتتخذ بيوتًا صغيرة في بعض جنبات الحديقة وبدا عليها جليًّا مدى الارتياح والانطلاق، والغريب أنها لم تشرب من الإناء المحتوي على الهيروين وإنما فقط شربت من الإناء المحتوي على الماء الصافي.

وهنا برز التساؤل المنطقي لماذا اختار الفأر في التجربة الأولى أن يدمن المخدرات حتى مات ولماذا رفضت الفئران الإدمان في التجربة الثانية وصممت على تناول الماء الصافي؟

حتى تتضح الإجابة دعونا ننتقل إلى الولايات المتحدة أثناء الحرب الأمريكية على فيتنام حيث واجه الجيش الأمريكي ضربات قاسمة وعانى جنوده الأمرين، وهربًا من ذلك الواقع المؤلم وفي محاولة منهم للتأقلم مع ويلات الحرب قام العديد من الجنود الأمريكيين بإدمان المخدرات حتى أن التقارير الرسمية أثبتت أنه ما لا يقل عن 20% من الجنود قد أدمنوا المخدرات وحينما اقتربت الحرب أن تضع أوزارها بدأ الرعب يدب في أوساط صناع القرار في واشنطن، فعودة عشرات الآلاف من الجنود المدنيين إلى أمريكا تمثل خطرًا شديدًا على المجتمع إلا أنه ما كان بد من عودتهم إلى أوطانهم لذا فلقد قرر صناع القرار تعويضهم بمبالغ مالية ومنح ووظائف كتعويض عما عانوه على أرض فيتنام، ثم أخذوا يراقبونهم عن كثب ووجل بعد أن أعدوا خطة مفصلة للتعامل الأمني مع هؤلاء الجنود إذا لزم الأمر، وما هي إلا شهور قلائل حتى عاد الجنود الأمريكيون وبدأوا تدريجيًّا الاندماج مع مجتمعاتهم ونسيان ما ذاقوه من ويلات الحرب ورويدًا رويدًا شعروا بالأمان والسعادة مع أسرهم وأبنائهم.

واستمرت مراقبة الجهات الأمنية لهم خوفًا مما قد يسببه لهم وللمجتمع ما اعتادوا عليه من إدمان للمخدرات إلا أن الغريب أن الغالبية الساحقة من هؤلاء الجنود قد توقفوا تماما عن تناول المخدرات كأنها لم تمتزج بدمائهم لسنوات وكأن أيديهم لم تمسها قط وعاشوا حياة طبيعية وأصبحوا أفرادًا منتجين صالحين يساهموا بكل إخلاص في رقي وطنهم.

حسنا كفانا ذكرًا للتجارب والشواهد حتى لا أطيل عليكم، هل أدركتم الان لما يدمنن إخواننا؟ إن الإدمان هو مجرد انعكاس طبيعي لغياب العدالة وطغيان الظلم، إن الإدمان ليس سببه الفقر وإنما سببه الإفقار.

فعندما يستأثر قلة فاسدة بموارد وثروات البلاد ويمتصوا دماء الشباب ليزدادوا غنى بينما يزداد باقي الشعب فقرًا، فلا تسأل بعد ذلك لماذا يبتلع الإدمان شبابنا؟ وعندما يتم إقصاء شباب ثورة 25 يناير من كافة المواقع الفعالة ويحل محلهم مجموعة من شباب ثورة 1919 فلا تسأل لماذا يدمن إخوننا؟ وعندما يتم الزج بالشباب في غياهب السجون لأنهم عبروا عن رأيهم أو رفعوا بالونات عليها شعار يذكر القتلة بما اقترفته أيديهم، فلا تسأل لماذا يدمن إخواننا؟ وعندما يوهم قادة جماعة شبابهم بأن تظاهرهم هو لنصرة الدين وإنقاذًا للوطن من السقوط في براثن الكفرة والمرتدين ويطالبونهم بالثبات في ميدان الشهادة ثم يفر القادة إلى حياة الدعة والراحة بينما يضحي الشباب بأرواحهم بمنتهى البسالة موقنين بصدق رؤية قادتهم مسحورين بكلماتهم الرنانة وخطبهم الحماسية،  فحينها لا تسأل لماذا يدمنن إخوننا ؟

وكما أن مفهوم الزنا أوسع بكثير من زنا الفرج كما وضح لنا الحبيب صلى الله عليه وسلم فكذلك مفهوم الإدمان أوسع بكثير من إدمان المخدرات، فقد يكون الإدمان إدمان مخدرات أو إدمان مشاهدة مواقع إباحية أو إدمان الاستماع لأغانٍ هابطة أو إدمان المواقع الاجتماعية كالفيس بوك أو إدمان الألعاب الإلكترونية أو حتى إدمان السلبية وعدم المبالاة.

كل هذه وأكثر هي صور للإدمان تمثل محاولة للهرب من واقع أليم تخيل الشباب أنهم عاجزون عن تغييره فآثروا أن يعيشوا واقعًا آخر يغيبهم عن ذلك العالم البغيض، إلا أنهم تناسوا حقيقه مهمة تصدح قائلة:

 ” إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ

مازال الأمل موجودًا ما دام القلب ينبض.

فلننحت في الصخور ونتجاهل الألم ونستبشر بقرب الفرج ففي آخر النفق نور إلا أننا لن نصل للنور إلا لو بذلنا وتعلمنا وعملنا وحاربنا، حاربنا الجهل والفساد والاستبداد والسلبية، أثبتنا للجميع بأننا الشباب رمانة الميزان وشريحة الحسم وموجهوا الدفة، نريد أن نزرع في قلوب إخوننا الأمل قبل أن ننتقدهم لأنهم سقطوا في فخ الإدمان، و لنوقن أن الله لا يضيع أجر المحسنين.

و للحديث بقية إن شاء الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست