9f38645b-b167-4fe7-a483-ff9a6b42829d.jpg

مقالات

لقراءة المادة على الموقع الأصلي انقر هنا

رشا عمران

لا تتحقق الغاية الأولى من القراءة: إمتاع الروح والعقل، إذ لسنا مدفوعين نحو القراءة بفعل الشغف بالدهشة والمعرفة والاكتشاف، فقسوة الواقع سدّت تماما كل منافذ الشغف، أصبحنا أشبه بالمصمتين، نقرأ كي نتذكّر أننا لم نتحول إلى جهلةٍ وأميين.

أعترف بأنني منذ عام 2011 لم أقرأ كتبا بمعدل نصف ساعة يوميا، لم أقرأ خلال هذه السنوات ما كنت أقرأه في أشهر قليلة. فقدت قدرتي السابقة على التركيز الذي يجعل القارئ يستغرق بما بين يديه، إلى حد أنه يصبح جزءا من عالم الكتاب الذي يقرأه. فقدت أيضا القدرة على الدهشة، تلك الدهشة الطفلة، أن أفغر فاهي وأنا أقرأ ما يجعل جسدي يرتعش وجلدي ينكمش، أن أنسى كل ما حولي، وكل ما يتعلق بحياتي، وأعيش في العالم الذي أسكنه، أو أحضنه بين يدي فقط. فقدت هذه المتعة، المتعة المذهلة، متعة العيش في عالم آخر، متعة تغيير العوالم مع كل كتابٍ أقرأه، متعة تقمّص الشخصيات الروائية أو المسرحية التي كنت أقرأها بنهم، متعة تحدّي العقل لفهم الصعب والشاق، وأنا أقرأ كتابا فكريا أو فلسفيا أو سياسيا. فقدت ذلك كله للأسف، ولم أعد قادرةً على استرجاعه.
هل السبب هو التقدّم في السن، والاختبارات المضنية والمتلاحقة في الحياة الشخصية والعامة، والتي استنفدت كل طاقتي، بحيث لم يعد هناك متسعٌ لاكتشاف أي جديدٍ أو الاستمتاع به في الكتب؟ يقينا، لا أحد يمكنه أن يُنكر ما للتقدم في السن من أثرٍ على فعل الدهشة، لا في القراءة فقط، بل في كل شيء. الدهشة صديقة الطفولة وصاحبتها. ومهما جاهدنا، لا نستطيع أن نبقي شغب الطفولة في داخلنا، ونحن نتقدّم في العمر. ثمّة ما يذهب إلى الأبد كلما تقدمنا في العمر، مثلما الحياة ستذهب ذات يوم من غير رجعة، كل ما يتعلق فيها ذاهبٌ أيضا إلى غير رجعة. كيف يمكنني أن أستعيد براءة الدهشة، أنا التي خضت اختبارات الحياة طولا وعرضا، حتى انتهت بي إلى مرحلة الهدوء والحكمة، وهي، في ظني، أكثر مراحل الحياة مللا وضجرا. وحدها القراءة، في هذه المرحلة، يمكنها أن تعيد إلينا القليل من القلق، القلق المضاد للحكمة التي تجعلنا نتقبل النهاية القريبة بهدوء وطمأنينة، بحيث نتوقف عن الشغف والانحياز نحو ما نحب، طالما نحن ندرك، بوعينا الحكيم، أنه زائلٌ ونحن مثله. أما القلق الذي تمنحه القراءة فهو يعيدنا إلى البدايات، إلى حيث كان لا يزال هناك متسع كبير من الوقت لفعل كل شيء، وللدخول في كل الاختبارات، بيد أن مرحلة الحكمة ذاتها هي من تجعل شغفنا بفعل القراءة شبه معدوم، تجعل من قراءاتنا انتقائيةً حدود الملل والمحدودية! شيء يشبه الدوران في مساحةٍ لا زوايا فيها، ولا قطع للخروج منه.
ثمّة ما هو متعلق أيضا بما حصل لنا في بلادنا العربية عموما، وسورية خصوصا بعد 2011، فالسقوط المدوّي والكارثي لكل الأحلام العربية بالتغيير السياسي والاجتماعي أدخلنا في مرحلة الفعل السلبي، والحياد المستقر تجاه كل شيء، الهزائم الكبرى التي منيت بها أحلام الربيع العربي، الدم والدمار والقمع والاستبداد المتزايد، والإجرام غير المسبوق، والأمراض الاجتماعية، شبه المستعصية، والتي ظهرت فينا، شعوبا وأفرادا، بفعل عقود طويلة جدا من الاستبداد والقهر والتغييب، والاصطدام النفسي الشائك مع الوضع المستجد، ومع المجتمعات الجديدة التي انتقل إليها أغلبنا، أو تلك القديمة، والتي طرأت عليها متغيراتٌ سلبية، الأثمان الباهظة التي دفعتها الشعوب العربية في سبيل نيْل قدرتها على الفعل، وامتلاكها قرار التغيير، وتحول ذلك كله إلى تراب ومقابر ومعتقلات مفتوحة لطلب المزيد، ذلك كله حول فعل القراءة “الذي هو ضروري للحياة كالتنفس”، كما يقول ألبرتو مانغويل في كتابه العظيم “تاريخ القراءة”، إلى فعل ترفيٍّ نلجأ إليه هربا من الواقع المزري. ربما هناك متعةٌ ما في الهروب، لكنها سطحيةٌ لا تدخل إلى الروح. وبالتالي لا تتحقق الغاية الأولى من القراءة: إمتاع الروح والعقل، إذ لسنا مدفوعين نحو القراءة بفعل الشغف بالدهشة والمعرفة والاكتشاف، فقسوة الواقع سدّت تماما كل منافذ الشغف، أصبحنا أشبه بالمصمتين، نقرأ كي نتذكّر أننا لم نتحول إلى جهلةٍ وأميين.
قال لي أحد الأصدقاء، حين أخبرته عن رغبتي في الدخول بتحدٍّ ذاتي لقراءة كتابين في الأسبوع، بدلا من قراءاتي الانتقائية القليلة حاليا: “المشكلة ليست فقط بنا نحن القرّاء. المشكلة أيضا أن ما يكتب حاليا لم يعد معنيا بتقديم متعة الروح. ثمّة استسهال بالكتابة، يبدو أنه عام وليس عربيا فقط”! شخصيا أظن، مع شبه موافقةٍ على كلام صديقي، أن المشكلة الأولى فينا نحن، نحن كبرنا، وأصبنا بعدوى ما يحدث حولنا، وصرنا مركّبين وتحليليين أكثر مما ينبغي، والعقل المركب يقاوم الاسترخاء والتركيز. المشكلة فينا أولا يا صديقُ، ليست في الكتابة وحدها.

إعجاب تحميل...