استجداء مشاعر الكائنات الأخرى لإيقاف العنف ضد المرأة لن يجرّ إلا إلى مزيد من الجرائم، فهو إقرار بأن المرأة بحاجة لمن ينصفها، وأنه إذا رفض الآخر هذه الحاجة فستُقتل كل يوم، سواء قتل بمعناه المادي أو المعنوي

لم نسمع قط عن امرأة سورية قتلت زوجها/ أخاها أو أباها الذي عنّفها أو حاول إيذاءها، لاعتقاده بأنها خالفت مقدّساته، على الرغم من أن القانون يبرّر القتل دفاعاً عن النفس ويشفع للقاتل، فلماذا لا تضع المرأة نفسها في حالة المواجهة والنديّة مع الآخر المعنِّف، إذا افترضنا أنه (رجل)، أو كل من يرعى أعمال العنف ضدها مهما كان جنسه؟
تعجُّ مواقع التواصل الاجتماعي، وبعض المواقع الإلكترونية، بمنشوراتٍ وصورٍ مُنبثقة عن حملاتٍ توعوية وإعلامية (هادفة) تخصُّ المرأة وتسعى لتسليط الضوء على مشكلاتها والحؤول دون وقوع عنف ضدها، وذلك بالتزامن مع أبرز حدثين أخيرين شهدناهما أخيراً، وهما جريمة قتل رشا على يد أخيها في منطقة جرابلس السورية بداعي الشرف، لتعقبها بعد أيام المناسبة العالمية لمناهضة العنف ضد المرأة.
الهدف من هذه الحملات إيقاف العنف ضد المرأة، وعدم السماح لأيٍّ كان ذكرا أم عادات اجتماعية بالية، أم قوانين، بعدم إنصافها أو بظلمها، ويكون ذلك عبر إطلاق مناشدات ونداءات موجّهة إلى المجتمع، فحواها: “لا للعنف ضد المرأة/ الرجل والمرأة بالمرتبة نفسها”، وكأن مضمون هذه الجُمَل يُؤخذ به أو له تأثير على الرأي العام أو الآخر المُعنِّف الذي ما برحَ يرتكب أبشع الجرائم بحق المرأة، من دون أن يفكر لبرهة بهذه البضع كلمات، والتي لن تتعدّى في الحالة الراهنة خروجها عن إطار الشعارات لغياب القانون.
تحقّق مثل هذه الحملات بعضاً من أهدافها، عندما تكون موجّهة إلى جمهور طبيعي في مجتمعٍ 
“لمَ لا تجاهر المرأة برفض العنف، فتكسر كل يد تمتد لتطاول حرّياتها”

يحترم الحراك المدني، ويثمّن مطالبه. ولكن ذلك يستحيل في الحالة السورية، فالمجتمع السوري، فضلاً عن عوزه إلى الخبرة والتجربة في الحياة المدنية، وعجزه عن تكوين وعي جمعي بعد الثورة، وصل، في السنوات الأخيرة، إلى مراحل غير مسبوقة من التخبّط والتشتّت؛ ولا نستطيع ردّ ذلك بمجمله إلى غياب القانون.
وتبرهن حادثة قتل أبو مروان التي وقعت قبل عدة أشهر زوجته في ألمانيا ذلك، فأبو مروان كان يدرك أنه في دولة قانون، لكنه أقدم على فعلته على الرغم من درايته المسبقة بأنه سيُحاكم، إذاً فالمناشدات والنداءات الموجهة للوعي المجتمعي، والتي تعوّل عليه في مثل هذه الحالات لن تُؤتي أُكُلَها، فالجريمة أو التعنيف المخطّط له ضد المرأة سيقع حتى لو عرف الجاني أن حبل المشنقة سيطوّق رقبته.
على ضوء هذا التحليل للواقع، نصل إلى نتيجة مفادها أن التعاطي مع أزمة الحدّ من العنف ضد المرأة بهذه الطريقة شكلاني مجوّف، لن يؤدي إلى النتيجة المبتغاة، بل على العكس سيكون له تأثير سلبي، وسيؤدي إلى مزيد من تكريس حالة استضعاف المرأة، وتصويرها كائنا غير قادر على الدفاع عن نفسه، أو إيقاف العنف بيده.
استجداء مشاعر الكائنات الأخرى لإيقاف العنف ضد المرأة لن يجرّ إلا إلى مزيد من الجرائم، فهو إقرار بأن المرأة بحاجة لمن ينصفها، وأنه إذا رفض الآخر هذه الحاجة فستُقتل كل يوم، سواء قتل بمعناه المادي أو المعنوي، وهنا نكون أمام تساؤلٍ كيف يمكن للشارع السوري، في حالته المفكّكة، أن يكون مؤثراً في قضية الحدّ من الجرائم المُرتكبة ضد المرأة، والتي لا نعرف منها إلا اليسير (ما يُسرّب إلى الإعلام)؟
نحن بحاجة للتوجه إلى المرأة، والمرأة خصوصا، وإعادة بناء ذهنيتها التي تماهت مع فكرة أنها مواطنٌ درجة ثانية، ويحقّ للآخر التعدّي عليها، فالرسائل الموجهة إلى المجتمع ليست فقط غير مسموعة، بل مثيرة للسخرية عند شريحةٍ ليست هيّنة من المعادين للحقوق الطبيعية للمرأة من كلا الجنسين.
كانت المرأة السورية، في السابق، تخشى من فقدِ المعيل، وكان ضعفها الاقتصادي، وعدم 

“نحتاج لإعادة بناء ذهنية المرأة التي تماهت مع فكرة أنها مواطنٌ درجة ثانية”

وعيها، يجبرانها على تحمل عنف الرجل والمجتمع، خوفاً من الخسارة، إن صحّت تسميتها (خسارة). غيرَ أن الواقع اليوم يبدو مختلفاً كلّ الاختلاف، فبعدما عانت المرأة السورية طوال ثماني سنوات من الفقر والتشرد والقتل، وتفتّحت عيناها على حقوقها المهضومة عقودا طويلة مضت، ممَّ تخاف اليوم! لمَ لا تجاهر برفض العنف، فتكسر كل يد تمتد لتطاول حرّياتها، فنقرأ يوماً في إحدى الصحف امرأة سورية ضربت زوجها الذي تعرّض لها، أو حاول التعدي عليها؟!
قد يبدو الطرح سوريالياً، والحالة السورية بشكل عام، والنسائية بشكل خاص، أبعد كثيراً عن فرض مثل هذا الواقع، لوافر من الأسباب، لكنها مجرّد تهيؤات تسوقنا (معشر النساء) إلى التفكير المعمّق بأسباب عدم قدرتنا على مواجهة كثيرين من أمثال أبو مروان؟