أن يكتب سفير مختص مقالا في صحيفة أمريكية في شأن ما أمر عادي، لكن أن يكتب ثلاثة سفراء مختصون هو أمر غير عادي. هذا ما فعلته واشنطن من خلال توجيهها لثلاثة سفراء مختصين في الشأن الإريتري، للكتابة في كبريات الصحف الدولية عن علاقات البلدين، وضرورة استعادتها.

بلا شك، السفراء هيرمان كوهين، ديفيد شيين، بيرسون لايمان، في طرحهم، يحملون الرؤية الأمريكية الجديدة لإريتريا. مما يعني أن واشنطن بدأت تفكر جديًّا باتجاه رفع العقوبات الأممية التي فرضت عام 2009، بحجة دعم حركة الشباب الصومالية الإرهابية، كورقة استخدمتها واشنطن للضغط على أسمرة، إلا أن سياسة واشنطن المضللة والضارة في آن واحد، لم تجدِ نفعًا.

فالعقوبات تحولت من عوامل لإضعاف إريتريا بواسطة إجبارها على خوض حرب استنزاف طويلة مع عزلها دوليًّا، مما يسهم في إسقاطها، إلى عوامل قوة، استقرت في داخلها، وأسهمت في استمراريتها صوب تشييد بنية تحتية حقيقية، تواكب نظرة الشعب الإريتري، القائمة على الانتقال من مرحلة الثورة المسلحة، إلى مرحلة الثورة المدنية، لبناء والاستثمار في مواردها، وهذا ما ينتظر أن يعلن عنه في احتفالات 25 مايو القادم.

سيما وأن القيادة الإريترية، ومنذ الإعلان عن العقوبات لم تجد في يدها من سبيل لإفراغ العقوبات من مضمونها، إلا بالارتداد إلى الداخل والانفتاح قدر الإمكان عليه، مع التركيز على تأسيس البنى التحتية للدولة، بتفعيل الجهود الذاتية للشعب، دون الركون للمساعدات الغربية خصوصًا الأمريكية منها، هذا ما شكل مفاجأة للولايات المتحدة.

التوجه الإريتري إضافة إلى الصبر الإستراتيجي الذي أبدته الدولة عمل على إيجاد قاعدة قوية يمكن الانطلاق منها، ذلك. سيما وأن البلاد تعتبر منجمًا حقيقيًّا للكثير من الموارد التي يمكن استغلالها، والاستثمار من خلالها.

من ضمن الشروط التي اعتمدتها أسمرة، وفق محاور الضرورات، للخروج من الحصار الأمريكي، كانت العمل على إيجاد البدائل الحقيقية الجاذبة للاستثمار، لتكون بمثابة شريك إستراتيجي معها.

من هنا، أدخلت أسمرة، الصين كمستثمر إلى أراضيها، ولحقت بها ألمانيا، ومن خلفها الاتحاد الأوروبي، وروسيا وكندا والهند وتركيا وإيران. وبقيت واشنطن وحيدة تراقب دون أن تقوى على فعل شيء.

التوجه الإريتري، أنتج هزات عميقة، داخل الإدارة الأمريكية، فالبساط الاستثماري، في دولة بكر كما إريتريا ومنطقة القرن الإفريقي بدأ يسحب من يدها، لصالح منافسيها، وهذا ما لا تريده واشنطن.

لذا جاء ما طرحه السفراء، في مقالاتهم، تعبيرًا عن قلق واشنطن من ضياع الجائزة الإريترية من بين يديها، لذا اتفق السفراء الثلاثة في مقالاتهم، على ضرورة التفكير الجدي من قبل الإدارة الأمريكية، بالعمل على رفع العقوبات الأممية عن إريتريا، ورفع مستوى العلاقات بين البلدين، كإستراتجية تهم واشنطن بالدرجة الأولى.

مع الإشارة، إلى ضرورة العمل مع أسمرة لرفع قانون الطوارئ الذي ما زال معمول به في إريتريا منذ استقلالها عام 1991، إلى جانب احترام حقوق الإنسان، وفتح الأبواب لتداول السلطة بين مكونات الدولة. ودعم ثورتها في مرحلتها الثانية لتأسيس دولة مدنية حقيقية.
المطالب الأمريكية هذه، ليست إلا شروط، تقدمها لأسمرة، لإقناعها، والسماح لها بإعادة العلاقات معها إلى سابق عهدها، تعني أن إريتريا، لم تكن داعمة للإرهاب، وأن أمريكا، مسؤولة عن ازدواجيتها وتسرعها في اتخاذ القرارات.

فحياة إريتريا وبقاؤها، حسب وجهة نظر شعبها، أهم من تصنيفات أمريكا، ومن خلفها الأمم المتحدة الخاضعة لإرادتها. الديمقراطية الحقيقية هي التي تحمي الأوطان، وترفض الاحتلال والاستعباد.

الديمقراطية التي تناسب دولة ناشئة ما زالت تشق طريقها خطوة خطوة، حسب مقاييسها، لا حسب مقاييس واشنطن.
فأمريكا، مثلا خلال وبعد الحرب العالمية الثانية، فعلت قوانين مكافحة الشيوعية، وزجت بالكثير من مواطنيها في السجون، حماية لجبهتها الداخلية، دون أن تلتفت إلى الديمقراطية، والتعددية، وحقوق الإنسان، فهل هذا حلال لها، حرام على سواها؟

الخلاصة:

في 25 مايو القادم، تتوجه أنظار الشعب الإريتري الذي يحتفل بمضي 25 عامًا على استقلالها، صوب قياداته، التي من المتوقع أن تعلن عن جملة من القرارات الجديدة، تسهم في تعزيز بنية الدولة وقوتها، بما يحقق ثورتها المدنية، كمرحلة ثانية لثورتها الشعبية العسكرية التحررية. مرحلة تفتح بها إريتريا ذراعيها للجميع، وتعمل على خلق أرضيات حقيقية للشراكة، مع الدول التي ترغب في الدخول إليها.
كما من المتوقع أن تتم رفع حالة الطوارئ، فالمرحلة القادمة تتطلب نوعًا من الأمن والاستقرار لضمان دخول الاستثمارات. لكن هذا الرفع قد يتبعه، قانون خاص يعنى بالدفاع، وبزيادة عدد القوات المسلحة ونوعيتها، لضمان أمن البلاد واستقرارها.

كما قد يتضمن التوجيه لإيجاد قوانين تشجع الاستثمار، وتفتح الطريق لرؤوس الأموال، إضافة إلى تأسيس شراكة حقيقية بين القوى الإريترية الفاعلة، وتوحيد رؤيتها، بما يخدم المصلحة العليا للبلد، مع تبريد الخلافات الناجمة عن غياب تداول السلطة.

هذا بالإضافة إلى الإعلان عن قوانين تخرج أسمرة من عصر الزراعة البدائية، للانتقال إلى عصر الزراعة الحديثة، التي تعتمد النظم التقنية والتكنولوجية.

قبل كل ذلك، لا بد من إعادة التفكير الجدي في الاستثمار بالإنسان الإريتري، كأكبر التحديات التي تواجه الدولة وتحديات المرحلة القادمة.

إريتريا الجديدة، لا ترغب في الولوج إلى عالم السوق، بناء على المعايير المزدوجة وفق إسقاطات المنظور الأمريكي الأحادي، في الحقيقية هذا ما تقدمه أسمرة لواشنطن، كخيار للمضي قدمًا في ترميم علاقتها مع أسمرة.
فهل ترغب واشنطن بذلك، أم أن غزلها جاء متأخرًا؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست