لم يعد النظام السياسي داخل بلدنا (العظيم) وحده منقلبا، بل صارت حياتنا كلها مقلوبة، وربما هي كذلك منذ عقود، وما الانقلاب السياسي إلا تتويج لأحوالنا المقلوبة رأسا على عقب.

الغريب أن يطَّرد هذا الانقلاب حتى يصل إلى المجال الشرعي، وما يخص الاستدلال بنصوص الإسلام ووقائع التاريخ. صار البعض يتعامل مع الأدلة القرآنية والنبوية والوقائع التاريخية، مثل تعامل بني إسرائيل مع التوراة، (تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا)، على منهج: {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة} هكذا وكفى ولا حاجة بتكملة الآية: {وأنتم سكارى}.

كان بوسع أبي نواس أن يسكر كما يحلو له، وأن يدعو للخمر كما يريد، بعيد عن إلباس سكره ثوبا من النصوص، فيصور القرآن يتوعد المصلين ولا يتوعد السكارى، بصورة قد يعجز الشيطان نفسه عن الإتيان بمثلها:

دع المساجد للعباد تسـكنها   وطف بنا حول خمار ليسقينا
ما قال ربك ويل للألى سكروا     بل قال ربك: ويل للمصلينا!

يذكرني هذا بما كان من جمال البنا حين وقف على تفسير اللمم الوارد في آية سورة النجم، وأن بعضا من مقدمات الفاحشة داخلة في اللمم، فما كان منه إلا أن دعا الشباب والفتيات إلى ارتكابها، فأمرها سهل ميسور. وما أدراه وهو يجرئ الشباب على هذا أنهم سيقفون عند المقدمات والصغائر ولا يتجاوزونها إلى الفواحش والكبائر؟ ومنطق العالم أو الداعية، أنه إذا جاءه من ألمَّ بمثل هذه الصغائر نادما تائبا مستغفرا، أن يدعوه إلى الاستقامة ويؤكد لها قبولها، شريطة عدم العود إلى ما كان قبل.

منطق العالم أو الداعية، أن يرهب الناس من شرب الدخان والحشيش والأفيون والبانجو وسائر المخدرات، وأنه كبيرة من أكبر الكبائر، لا أن يعلمهم أن المخدرات الصلبة طاهرة.

انتقلت عدوى المنطق المقلوب والاستدلالات المقلوبة وسرت في الجميع، فتجد من يستدل بقول أبي ذر لبلال: (يا ابن السوداء)، بدل أن يستدل بقول النبي لأبي ذر: (إنك امرؤ فيك جاهلية).

ومن يستدل بقول عمر: (دعني أضرب عنق هذا المنافق). بدل أن يستدل بقول النبي له: (لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم).

ومن يستدل بقول أبي بكر لعائشة: (أمزمور الشيطان في بيت رسول الله).بدل أن يستدل بقول النبي له: (دعهما يا أبا بكر فإن اليوم عيد).

وحين وقع الخلاف بين قيادات الإخوان، ومحاولة للتهوين من شأن الخلاف من البعض، وأنه أمر طبيعي حدث في خير القرون، وجدت من يستدل بالخلاف والاقتتال الذي وقع بين الصحابة، بدل أن يدعو الفريقين للوحدة والترابط والاعتصام بحبل الله، الوارد في عشرات الآيات والأحاديث.

آخر هذه المواقف حدث منذ عدة أيام، حين نشر صديق صورة للدكتور أحمد معبد عضو هيئة كبار العلماء في مصر، وهو عالم متمكن في تخصصه، لكنه للأسف تورط في الشأن السياسي بتصريحات تؤيد الظالم وتنتقص من المظلوم، على غير ما هو منتظر من مثله.

اعترضت على ناشر الصورة، بأن مثله لايستحق التعظيم في الوقت الحالي حتى يغير موقفه، بعدما تورط فيما تورط فيه، وعلمه المشهود له به حجة عليه لا له، فرد أحدهم: بأن عليَّ إذن ألا أقرأ لأنور الجندي؛ لأنه كان من الإخوان، وكتب هو وعدد من العلماء مقالات في ملحق باسم: (رأي الدين في إخوان الشياطين)، أصدرته مجلة (منبر الإسلام) في عهد عبد الناصر، والإخوان في السجون.

أفهم أن يستدل الرجل بأنور الجندي فيما أحسن وأجاد، أو يستدل به لو رجع وأبدى ندمه على ما كتب، لكن أن يستدل بفعله الخاطئ قطعا، على أن من حق فلان أوعلان من العلماء الآن أن يساند المستبد، وفي نفس الوقت يظل عرضه مصونا، وشخصه محترما، فهذا ضرب من الاستدلال عجيب!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست