جاءت ضربة البداية لمهرجان القاهرة السينمائي الأربعين الذي اختتم مؤخراً، قوية، بفيلم يمزج بين واقع الحياة وخيالها أيضا، مليء بالمواقف الإنسانية والاجتماعية المؤثرة التى تدفعنا عبر المشاهدة لطريق من الآهات والشجن لكنه ينتزع الضحكات أحيانا.


الفيلم هو «كتاب أخضر» الذى افتتح به المهرجان دورته الأربعين، أمس الأول، وهو للمخرج الأمريكى بيتر فاريلى، والفائز بجائزة «اختيار المشاهدين» الكبرى، فى الدورة 43 لمهرجان تورونتو السينمائى الدولى فى سبتمبر الماضى، والذى يعتبر بمثابة إحدى البوابات الرئيسية نحو الطريق للأوسكار، فمعظم الأفلام التى تتنافس على تلك الجائزة الكبرى تبدأ رحلتها من تورنتو باعتباره السوق الكبرى فى أمريكا الشمالية، كما تكتسب جائزة «اختيار المشاهدين» أهميتها ووزنها من فوز 9 أفلام من أصل 10 أفلام على الأوسكار وبالتحديد آخر ست سنوات، عقب حصولها على هذه الجائزة، من بينها أفلام «لا لا لاند»، و«12 عاما من العبودية» 12 Years a Slave، و«مليونير متشرد» Slumdog Millionaire.


فيلم «كتاب أخضر» الذى يترقب الجميع تتويجه فى موسم الجوائز تدور قصته فى صورة مدهشة فنيا، حول تونى ليب (فيجو مورتينسين)، سائق أمريكى ذو أصول إيطالية، لديه ميول عنصرية يتم استئجاره عام 1962 ليعمل سائقا لصالح د. دون شيرلى (ماهرشالا على)؛ أحد أهم وأميز عازفى البيانو فى العالم؛ حيث يأخذه فى جولة بين معالم جنوب أمريكا.. ولأن دون شيرلى من أصل إفريقى أمريكى، فقد اعتمد خلال رحلتهما على كتاب النيجر الأخضر أو «دليل السيارات الأخضر للزنوج» The Negro Motorist Green Book، الذى صدر أثناء حركة الحقوق المدنية فى الولايات المتحدة الأمريكية، والتى هدفت إلى تجريم التمييز العنصرى ضد الأمريكيين الأفارقة، وإعادة حق التصويت لهم؛ حيث كان «الكتاب الأخضر» يساعدهم فى إيجاد طريقهم بالسيارة دون أن يتعرضوا لاعتداءات السكان البيض، حيث يرشدهما إلى الفنادق الصغيرة، المطاعم ومحطات الوقود.


وخلال الرحلة يقترب كل واحد منهما إلى عالم الرجل الآخر، فضلا عن إعادة اكتشافهما للعالم الذى يعيشان به وكيف يبدو بعد هذه الرحلة، وكيف عاشا أيامهما وماذا تخبئ لهما فى المستقبل.


الفيلم شارك كتابته نيك فاليونجا ابن تونى ليب الحقيقى، بمشاركة المخرج بيتر فارلى والممثل بريان كورى الذى يظهر فى الفيلم فى دور صغير، وهو ما يمنحه مذاقا خاصا كونه يرصد أنفاسا حقيقية مثيرة سردها السيناريو مازجاً بين الدراما والكوميديا النابعة من سخرية القدر، حيث نرى مواقف حقيقية لعازف البيانو دون شيرلى الذى يقدم أداء مذهلا مع فيجو مورتنسن.


الفيلم يمر أيضا عبر مشاهدة على ظلال العنصرية فى الستينيات وبلا افتعال عبر اللقاء بين رجل أبيض عنصرى وأسود متحقق وناجح فى معظم لحظات حياته، ولأن المؤلفين كانت لديهم أسرارهم عن بطلى العمل فجاء الموضوع متسقا مع روحه وفكرته.


فى الفيلم أولاً شخصية توني، الحارس الأبيض فى أحد الملاهى الليلة فى نيويورك، العنيف، المندفع، يمتلك كل سمات الفهلوة والصور النمطية التى يمكن أن يحظى بها أمريكى إيطالى فى ستينيات القرن العشرين العاطفية، والأحكام السطحية على البشر وفقا لأعراقهم، لم يفكر لحظة فى أسبابه أو يقرر فعلا أن يمارسه، فقط فعلها مثل الآخرين.


ويبدأ تونى فى التغيير، حيث يعيد النظر فى قناعاته وأفكاره عندما يقابل الفنان العالمى الدكتور شيرلى الحاصل على الدكتوراه فى الموسيقى من الاتحاد السوفيتى ويتحدث عدة لغات ويتعامل مع العالم بحذر، وهو استثناء لتحريك المياه الراكدة، لكن حياة الاستثنائيين لا تسير بسلاسة، فربما كان يسمح لشيرلى باعتلاء المسرح ويشاهده الملونين، لكن لم يكن يُسمح له بدخول المرافق العامة معهم.


الصراع بين الطرفين صوره المخرج بمستوى رائع وعبر مفردات فنية مساعدة وحوار لا يخلو من خفة الظل وسيناريو محكم البناء كلاسيكى مدهش يقدم أفكاره وشخصيته بانسيابية لتكون النهاية المطلوبة، مع ضبط إيقاع الاحداث التى بدت بانسيابية، فقد صار الرجلان اصدقاء واجها الحياة ومتاعب الرحلة معا بشجاعة وكل المواقف التى أجبرا عليها، بعد أن تشبع كل منهما بإنسانية الآخر، بل وإن التفرقة أصبحت مجرد عبث.