مقالات

لقراءة المادة على الموقع الأصلي انقر هنا

لحسن ملواني (المغرب)

جاءني بديوان شعري جديد، وطلب مني قراءته قراءة نقدية. بدأت أقرأه صفحة صفحة، واضطررت إلى التسلح بقلم أحمر، لأن الديوان مفعم بالأخطاء المختلفة: إملائية، صرفية، لغوية.. كان الكاتب يعتقد أنه يكتب شعرا، ولم يكن يكتب سوى أخطاء بعضها يجاور بعضا.

حين تفتح الأبواب على مصراعيها لكل من يريد ولوج عالم الإبداع، تسود الفوضى، حيث يتعرّض الإبداع لهجمات تقوّض أركانه لتصل إلى تشويه جوهري فيصير مضيعة للأحبار إن كان كتابة، وللأصباغ والخامات إن كان تشكيلا، وللديكورات والإضاءة إن كان مسرحا. وليت مضيعته تقف عند هذا الحد، فهي تتجاوز ذلك لتصير مضيعة لأوقات الناس والوقت كالذهب أو هو أثمن منه.
حين ننسى أن للإبداع شروطا وضوابط وأهدافا سامية، نسقط في مهاوي العبث المفضي إلى الإساءة إلى الجمهور وإلى المبدعين في ذات الوقت.
حارب الإنسان سياسة الغاب، فوضع حدودا وعقوبات للمعتدين دفاعا عن المظلومين، وحرصا على رسم الحدود لتصرفات الإنسان، حتى تنبني على أساس التفاعل الإيجابي الذي مفاده الأخذ والعطاء، الكد والنماء، الإفادة والاستفادة، وقد تجاوزت سياسة الضبط والانضباط العلاقات الاجتماعية المرتبط بالكسب والعمل إلى الفنون باعتبارها المؤثر الفعال على سيرورة ورؤى الناس في المجتمع بشكل يهذب السلوك وينمي حس المودة بينهم.
الإبداع مسؤولية كبيرة لها شروط وضوابط وأهداف ومزايا تجعله مجالا حيويا له أثره في التبصر والتنمية والقيم الإنسانية. وحين يغرّد الإبداع خارج هذه الأسس يصير تائها متيها لمن يستقبلونه ويستهلكونه، يخدم الفوضى التي لا تخدم شيئا، وإنما تنمي سلوك اللانضباط والضحك على الذقون.
جاءني كاتبٌ يحمل روايته الجديدة، لأقرأها وأستمتع بها، فاستبشرت خيرا، وشكرته كثيرا، لأنني سأحظى بلحظات كلها متعة وفوائد.
انكببت على قراءة الرواية، لإنجاز قراءة نقدية بصددها، وكنت أقرأ العبارة مرات ومرات، ولا أجد فيها ما يمكن القبض عليه، وشعرت بالملل، ثم قلت لعل الكاتب يريد أن يقول شيئا في الأخير، فاستأنفت القراءة جادا باحثا عن المعنى والمبنى حتى أتيت على نهايتها، ولم أعثر فيها على شيء له علاقة لا بالإنسان ولا بالحيوان ولا النبات ولا الجماد حتى.
وحين جاءني يسأل عن رأيي في منجزه الروائي، قلت بصراحة: “أعتذر إن قلت لك إني لم أفهم من روايتك أي شيء”.
تنحنح، وقال: “ربما لأنك لم تمنحها ما يكفي من الاهتمام و التركيز”. ثم واصل كلامه قائلا: “ربما روايتي كتبت لزمن غير هذا الزمن”. قلت له: “عذرا أخي، فأنا ابن هذا الزمن، فاذهب بروايتك لشخصٍ لا ينتمي إلى هذا الزمن”.
وجاءني آخر بديوان شعري جديد، وطلب مني قراءته قراءة نقدية حتى لو كانت انطباعية، وانكببت فعلا أقرأه صفحة صفحة، واضطررت إلى التسلح بقلم أحمر، لأن الديوان مفعم بالأخطاء المختلفة (إملائية، وصرفية، ولغوية، وتركيبية..). كان الكاتب يعتقد أنه يكتب شعرا جميلا، ولم يكن يكتب سوى أخطاء بعضها يجاور بعضا، ليصير الديوان ديوان أخطاء لا ديوان شعر.
أمثلة كثيرة، في كل مجالات الإبداع تنبئ بخطورة الانزلاق عن قواعد وضوابط الإبداع التي تجعل منه وسيلةً تثقيفيةً وترفيهية وتهذيبية وتنويرية، بدل أن يصير وسيلةً لإضاعة الوقت والجهد فحسب.

إعجاب تحميل...