f98e6f22-a69b-47d7-bfd0-7008bf45efca.jpg

مقالات

لقراءة المادة على الموقع الأصلي انقر هنا

غازي دحمان

ماذا يعني أن يكذب شخصٌ، مثل أمين عام مؤسسة مؤمنون بلا حدود، يونس قنديل، ليحصل على الشهرة والمجد، ولينتقم ممن يعتبرهم خصوماً له؟ ألا يساير بذلك مزاجاً إعلامياً وسياسياً لتجريم فئاتٍ معينةٍ، بحجة تبرير عمليات قتل تحصل في بلادنا؟

يكذب من يقول إن منظومة القيم العربية لم تنحرف بشكل خطير خلال السنوات الأخيرة، وبالتحديد جرّاء مشاهدة فيلم التعذيب العربي الطويل، المسمّى الحرب على الإرهاب والظلاميين، وسواها من المصطلحات التي صاغتها أنظمة الاستبداد العربي، وهي تجهض أحلام الشعوب العربية بالحرية والكرامة والشفافية.
بالأصل، حصل الانحراف في القيم على منظومةٍ مشوّهة، عبثت بها الأنظمة العربية الخالدة عقودا مديدة، وشكلتها على هواها، وكثير من عناصر تلك المنظومة وجد بمثابة أمر واقع، أو ردة فعل يائسة على التشوّه الذي أوجدته أنظمة الحكم، أو محاولة للتكيّف مع ما تريده تلك الأنظمة، تجنباً للوقوع في الأسوأ.
“منظومة قيمنا باتت مثقوبةً، إلى درجةٍ يمكن معها سقوط كل شيء وأي شيء”

ما فعله في عمّان رئيس مجلس أمناء مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، يونس قنديل، سلوك طبيعيٌّ ومتكيفٌّ مع حيثيات الواقع الراهن في بلادنا العربية، وهو لا يشبه ظهور البجعة السوداء الذي يكون نادراً ونذير شؤم، بقدر ما هو سلوكٌ متساوقٌ مع مناخٍ عام، يرخي بظلاله على جميع جوانب العالم العربي، وهو سلوك يحصل مثله يومياً عشرات المرات، ولم يحظ بضجيج إعلامي، ولا تغطيةٍ مكافئة؟
ماذا يعني أن يكذب شخصٌ، مثل يونس قنديل، ليحصل على الشهرة والمجد، ولينتقم ممن يعتبرهم خصوماً له؟ تُرى، ألا يساير بذلك مزاجاً إعلامياً وسياسياً في بلادنا يذهب باتجاه تجريم فئاتٍ معينةٍ، بحجة تبرير عمليات القتل الرهيبة التي تحصل في بلادنا؟ لكن من هم أولئك الخصوم المقصودون؟ الإخوان المسلمون، أم الليبراليون، أم ثورات الربيع العربي التي يُراد كتابة تاريخ مزوّر لها؟
ولماذا الاستغراب؟ ربما لم يعد يحق للعرب المعاصرين الاستغراب، والمفروض أنهم فقدوا هذا النوع من المشاعر لجيلين قادمين، فقد شاهدوا وعاشوا في السنوات الفائتة كل الأشياء المستغربة، والتي لم تكن تخطر على بالهم، فرادى وجماعاتٍ، حتى لو عملوا مليون ورشة عصفٍ فكريٍّ، وألف قراءة استشرافية، ما كان لهم أن يتصوّروا حصول عشر ما حصل.
أجزم أن سبب الامتعاض من موقف قنديل حقيقة أن الرجل ينتمي إلى فئة المثقفين، على اعتبار أن هذه الفئة هي ملح الأرض، ولا يجوز أن تفسد، وفسادها يدقّ نواقيس الخطر وينبهنا لنذر الشؤم التي باتت تطلّ برؤسها علينا! وهذا حملٌ لا يستطيع قنديل حمله، كما لا نستطيع محاسبته، وهو الذي، إذا لم تكن له سوابق أخرى، يقف آخر طابور المفسدين.
شاهد قنديل نفسه، على مدار السنوات السابقة، كيف انهارت قيم الثقافة وسقطت أعمدتها، أو من كان العربي يعتبرهم أعمدة ثقافة، كيف تلوّثوا بالدفاع عن الجريمة، وكيف دعموا الطغاة والقتلة بالحجج والذرائع. ألم يطلبوا من الأسد تكثيف استخدام الكيميائي لقتل الرعاع الذين يتجرأون على أسيادهم؟ ألم يلعنوا مظاهرات الناس، لأنها خرجت من المساجد؟ ألم يباركوا لعبد الفتاح السيسي، بعد أن قتل آلافا في ميدان رابعة العدوية وغيره؟ ألم يؤيدوا قتل الصحافيين والمثقفين زملائهم؟
ليس دفاعاً عن قنديل، لكن علينا ألا ننسى واقع الحال العربي، وحقيقة أن منظومة قيمنا باتت مثقوبةً، إلى درجةٍ يمكن معها سقوط كل شيء وأي شيء. حسناً، ربما يرفض بعضنا السكوت، وخصوصا من فئة المثقفين والإعلاميين، على اعتبار أن دورهم ووظيفتهم كشف الانحرافات، وتسليط الضوء عليها وفضحها. ولكن تجب الإشارة إلى الخراب الذي وصلنا إليه، وعدم اعتبار مثل سلوكيات كهذه، مقطوعة الصلة عن الواقع.
والواقع أننا نعيش مرحلة تغيّر، إلى الأسوأ، مرحلة ما بعد الربيع العربي الذي ارتفع فيه سقف طموح الإنسان العربي إلى حد تصوّر إمكانية حصوله على العدل والمساواة ومشابهة شعوب العالم التي تعيش عيشا آدميا، ولا تستطيع سلطات الحكم تهميشها وإذلالها، لكن هذا الحلم انكسر، أو لنقل تأجّل، وانكساره أو تأجيله، حصلا نتيجة حربٍ بلا رحمةٍ ارتكبت خلالها أنظمة السلطة في العالم العربي كل ما هو محرّم وممنوع في العرف الإنساني.
في هذه المرحلة، كل ما هو صادق وجميل، ويحمل قيمة بداخله، ينتمي للمقلب الآخر،

“شاهد العرب وعاشوا في السنوات الفائتة كل الأشياء المستغربة، والتي لم تكن تخطر على بالهم”

الإرهاب، الذي يجب محاربته واجتثاثه، لأنه، في نظر السلطة، يحمل بذرة ثورة وتمرد على منظومة الحكم وقيمها، وكل ما هو رديء وسيئ مسموحٌ له العيش، ويستحق فرص البقاء والتطوّر، مكافأة له على تعقّله وتكيفه مع تطورات الواقع العربي. وهذا مناف للأخلاق والمنطق، لكنه طبيعي بعد الكوارث التي تحصل في المجتمعات والدول. وليس معنى القول إنه طبيعي تزكيته والسكوت عنه، بل بهدف وضع الإصبع على الجرح، والتأشير على أس المشكلة والخراب، وهي الأنظمة الحاكمة والنخب التي أيّدتها، وأولئك الذين يحتفلون في عرس قهر الشعوب العربية وتحطيم إرادتها.
إنه زمن القناديل الذين باتوا ينتشرون على أسطح حياتنا ويملأونها، وتستدعي الشطارة من هؤلاء القيام بمختلف أنواع الحيل والبهلوانيات، للحاق بالزمن الراكض أمامهم والإمساك به، أو للحاق بقطار المجد المندفع بقوّة إلى الأمام. إنهم أبطال هذه المرحلة، ونحن نراهم ونسمعهم ونقرأهم يومياً، يكذبون بكل جرأةٍ ويحتالون على المكشوف، ويدّعون أنهم الناجون من لوثة ثورات الحرية والكرامة.

إعجاب تحميل...