4a8b0c85-9d10-4c7e-8c37-5a8e6f04404c.jpg

مقالات

لقراءة المادة على الموقع الأصلي انقر هنا

معن البياري

شهدت مصر، من يوليو/ تموز 2013 إلى أغسطس/ آب 2018، بحسب منظماتٍ محليةٍ مستقلةٍ غير حكومية، 1520 حالة اختفاء قسري، كما أن أكثر من 60 ألف سياسي في ظروف احتجاز مروّعة في السجون.

أصدر مجلس الوزراء المصري، الأسبوع الماضي، قرارا بإنشاء “اللجنة الدائمة لحقوق الإنسان”، مهمّتها “الرد على الادّعاءات ضد مصر، وتحسين صورتها في الخارج”. والمعلوم أن نحو عشر هيئاتٍ ومجالس ولجانٍ حكومية رسمية، معنيّةٍ بملف حقوق الإنسان في البلاد، يُناط بها شيءٌ كهذا، لكنها لم تفلح فيه، وفي مقدمتها المجلس القومي لحقوق الإنسان، والذي لا تُنسى بعض تقاريره المتّصفة بمقادير من المهنية، في سنواتٍ مضت، لكنه لم يعد يصنع شيئا مثيلا. والظاهر أن مجلس الوزراء لم يسمع بمثلٍ ذائعٍ يفيد بأن المشّاطة لا ينفع شغلُها مع الوجه العكر، فأيُّ لجنةٍ في وسعها أن تنفع في تحسين صورة مصر في الخارج، وقد تلقت “اللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب” من 65 منظمة مجتمع مدني، مصريةٍ وأجنبيةٍ، رسالة موحّدة، تعترض على نيّة هذه اللجنة عقد جلسةٍ لها في مصر، لأن هذا إنْ حدث سيمثّل عقبةً خطيرةً في سبيل مواجهة الانتهاكات الجسيمة في مصر، في ظل حكم الرئيس عبد الفتاح السيسي، على ما أوردت الرسالة بالضبط. بل إن مصر، على ذمّة كاتبي الرسالة، “تعاني حاليا من حملةٍ قمعيةٍ غير مسبوقة، هي الأكثر انتشارا ووحشيةً على حقوق الإنسان في تاريخ مصر الحديث”. وحسب الرسالة نفسها، شهدت مصر، من يوليو/ تموز 2013 إلى أغسطس/ آب 2018، على ما قالت منظماتٌ محليةٌ مستقلةٌ غير حكومية، 1520 حالة اختفاء قسري، كما أن أكثر من 60 ألف سياسي في ظروف احتجاز مروّعة في السجون.
كانت الرسالة قبل أيام من قرار مجلس الوزراء إنشاء الهيئة المستجدّة، أما بعده، فقد قالت منظمة هيومان رايتس ووتش، أمس الأحد، إن سلطات مصر أوقفت 40 ناشطا حقوقيا ومحاميا وناشطا سياسيا، في الأسابيع الثلاثة الماضية فقط، أغلبهم ممن قدّموا دعما إنسانيا وقانونيا لعائلات المحتجزين السياسيين. وبحسب المنظمة الدولية، يرقى بعض الحالات إلى الإخفاء القسري. وقال مسؤولٌ رفيعٌ فيها إن الحكومة المصرية، فيما يبدو، تريد سحق ما تبقّى من المجتمع المدني المصري.
وعلى ما في تعبير الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان من تقليديةٍ مفرطة، لمّا قال بيانٌ لها، الأسبوع الماضي، إن “رائحة انتهاكات حقوق الإنسان في مصر تزكُم الأنوف”، إلا أن الأمر كذلك حقا. ومن شواهد بلا عددٍ على فداحة تلك الرائحة أن 13 سجنا تم بناؤها في السنتين الأوليين من الولاية الأولى للرئيس السيسي. وهذا طبيعي، عندما تزيد الجريمةُ في مجتمعٍ تائه، وأيضا عندما ترى الأجهزة البوليسية القابضة على السلطة هناك أن مكان المستشار هشام جنينة هو الزنزانة، لأنه أجاب على سؤالٍ من صحافي بما لا يجوز قوله، وطالما أنه تم حبس الصحافي أيضا. وفي بلدٍ يأخذ حكامه رئيس أركانٍ سابق، اسمه الفريق سامي عنان، ورئيسا سابقا لاتحاد الأطباء العرب، اسمه عبد المنعم أبو الفتوح، إلى الحبس، لا يصير مستغربا أن تنشط الدولة في بناء السجون، فيما يشيع وزير التعليم فيها إنه يجب التفكير في إلغاء استمرار مجانيته.
أن تظن حكومة السيسي أن القصة كلها إنما تتعلق بصورة مصر، فهذا أمر يفيد كتّاب الأدب، القصة والرواية والمسرح، سيّما في اللون الذي يُشعل الضحك الذي كالبكاء، وتلتبس فيه التراجيديا بالكوميديا. يدل على هذا القول أن التقرير السنوي للجنة الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب لعام 2017 أخبرنا، قبل إنشاء اللجنة الحكومية الخائبة سلفا، أن التعذيب ممارسةٌ منهجيةٌ في مصر، ويتغذّى على إفلات قوات الأمن من العقاب، وعلى تورّط الدولة فيه على مستوياتٍ عليا. ولا شيء أوضح في مصر من حقيقة أن المنجز الوحيد لنظام عبد الفتاح السيسي هو الفشل، متوازيا مع جعل هذا البلد ملفا حقوقيا، وتواكبه رثاثة فادحةٌ يقيم فيها الإعلام، فضلا عن فسادٍ يتمادى، فالإرهاب مثلا الذي افتتح الرئيس الراهن حكمه البلاد بمهرجانٍ تفويضٍ لشخصه من أجل الحدّ منه زاد أضعافا، ومن ذلك اتّساع الاعتداء على المصريين الأقباط وكنائسهم، وكذلك على المصريين المسلمين في سيناء (قتل 305 أشخاص في مسجدٍ في قريةٍ سكانها 800 شخص!)، وسيناء ملعبٌ للإرهابيين، يُزهقون فيها أرواح جنودٍ ومدنيين كما شاءوا، فيما السيسي يُضحكنا عليه في كوميدياته السمجة في مؤتمرات الشباب وغيرها.. وتُضحكنا حكومتُه بإنشاء هيئةٍ لتحسين صورة مصر.

إعجاب تحميل...