380647ac-cd91-4b16-a6c9-d5b815755c38.jpg

مقالات

لقراءة المادة على الموقع الأصلي انقر هنا

خليل العناني

على عكس ما يعتقد بعضهم، ثمّة من يرى في أزمة اغتيال الصحفي السعودي، جمال خاشقجي، أداة جيدة لمزيد من الابتزاز والاستفادة من ولي العد السعودي، محمد بن سلمان الذي يبدو الآن كفأر مذعور محشور داخل مصيدةٍ، تزداد ضيقاً كل يوم.

نشر الصحافي في “نيويورك تايمز”، ومدير مكتبها السابق في القاهرة، ديفيد كيركباتريك، على حسابه في موقع تويتر قبل أيام، صورة يتناول فيها رؤساء وقادة عرب العشاء على مأدبة أعدّها لهم ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، في إبريل/ نيسان الماضي. على يمين الطاولة، يجلس سعود القحطاني، المستشار الإعلامي السابق لبن سلمان، وأحد المخططين المتورطين في عملية اغتيال الصحافي السعودي، جمال خاشقجي، في القنصلية السعودية في إسطنبول أوائل شهر أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، وإلى جواره منصور بن زايد، نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير شؤون الرئاسة في الإمارات، وإلى جوارهما الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، يليه ملك البحرين حمد بن عيسى آل خليفة، وملك الأردن، عبد الله الثاني، مستشار الأمن الوطني في الإمارات، طحنون بن زايد، وفي آخر الطاولة يجلس تركي آل الشيخ مستشار بن سلمان. أما على يسار الطاولة، فيجلس رئيس الاستخبارات العامة المصرية، اللواء عباس كامل، وهو مدير مكتب السيسي وكاتم أسراره، وولي عهد أبوظبي، محمد بن زايد، الحاكم الفعلي للإمارات، وإلى جواره محمد بن سلمان، وحاكم دبي، محمد بن راشد آل مكتوم.
لم تنشر الصورة من قبل في وسائل الإعلام العربية، ولا يُعرف في أي مناسبةٍ أو سياقٍ تم اتخاذها، ولكن ما هو واضح بجلاء أن الحاضرين كانوا يجلسون بأريحية، كما لو كانوا مجموعة من الأصدقاء التقوا في بيت أحدهم لتناول العشاء والدردشة (وربما التخطيط!) لمسائل معينة قد لا يصعب التكهن بها. كما أنها تحكي الكثير عما يدور في كواليس الإقليم، وعلاقات (وموازين) القوة التي تم نسجها خلال العامين الأخيرين، وتعاطي كل طرف مع الآخر. وهي تثير تساؤلات كثيرة بشأن من يستخدم الآخر، هل يستغل الضيوف مضيفهم من أجل تحقيق مصالحهم، أم أن الأخير يستخدمهم لتحقيق أغراضه وطموحاته السياسية، داخلياً وخارجياً؟
“منذ صعوده إلى السلطة، بدا ولي العهد السعودي رهاناً ناجعاً لقوى إقليمية ودولية كثيرة حاولت الاستثمار فيه لتحقيق مصالحها”

منذ صعوده إلى السلطة قبل ثلاثة أعوام، بدا ولي العهد السعودي رهاناً ناجعاً لقوى إقليمية ودولية كثيرة حاولت الاستثمار فيه من أجل تحقيق مصالحها. شاب صغير، يمتلك ثروة هائلة، لديه خيال جامح، وطموح قوي تحرّكه رغبةٌ جارفةٌ في الوصول إلى السلطة بأي ثمن، ولو باستخدام القوة العارية المنفلتة من أي عقال، أو حسابات تقليدية. وفي الوقت نفسه، لا يتمتع بأية خبرة سياسية، أو قدرة على فهم تعقيدات الأوضاع الإقليمية والدولية وحساسيتها، ومقتنع بأن الأموال وحدها تكفي لتحقيق أهدافه. التقطه سماسرة السياسة وثعالبها، وتلقفته دوائر النفوذ وكتائب الإعلام والمثقفين في بلاده وخارجها، فزينوا له الأمر، واعتبروه “خاتم سليمان” الذي سوف يحقق لهم أحلامهم، فعاملوه “ملكا غير متوّج”، يملك ويحكم، ويأمر ويتحكم، من دون أن يراجعه أحد. وذلك إلى أن وصل به الغرور بأن يرى نفسه في السلطة خمسين عاماً، كما قال في حوار مع مذيعة قناة سي. بي. إس الأميركية في مارس/ آذار الماضي.
كان محمد بن زايد (أو مبز كما يُعرف في الإعلام الغربي) أول من التقط طموحات الشاب الصاعد، فقرّر الاستثمار فيها بكل ما يملك من ثروة طائلة، وشبكات علاقات خارجية مؤثرة، وأجهزة ووسائل استخبارات متقدّمة، وشركات علاقات عامة ولوبيات نافذة، وذلك من أجل ترتيب الأوضاع الإقليمية والدولية للأمير الشاب. وكان أول اختبار (وربما فخ!) جهزّه بن زايد لبن سلمان هو التدخل العسكري في اليمن، بغرض تحقيق المصالح الاستراتيجية الإماراتية بالهيمنة على شريان التجارة عبر مضيقي هرمز وباب المندب. اختبأ بن زايد خلف بن سلمان، وأقنعه بضرورة خوض مواجهةٍ عسكريةٍ في اليمن مع الحوثيين (ومن خلفهم إيران)، وباطنها دعم شرعيته “زعيما” سعوديا جديدا، ولو على حساب أرواح آلاف من اليمنيين. وكما استثمر من قبل في السيسي، أدرك بن زايد أن بن سلمان سوف يحقق ما يتوقعه منه وزيادة، ليس فقط لقلة خبرته وحنكته، وإنما أيضا لطموحه الجامح في تثبيت أقدامه في السلطة. وليس سرّاً أن بن زايد كان أحد أسباب جرأة بن سلمان في إعادة ترتيب بيت الحكم الداخلي في السعودية، والتخلص من خصومه، وأهمهم ولي العهد السابق، محمد بن نايف. بل يعتقد كثيرون أن بن زايد هو العقل المدبّر للأزمة الخليجية، وتأليب بن سلمان ضد قطر، وإصراره على بقاء القطيعة بين الرياض والدوحة.
وبالمثل، سعى السيسي للاستثمار في بن سلمان، واستغلال رغبته في الصعود السياسي، من أجل تحقيق مصالح مالية وسياسية كبيرة. وهو يدرك جيداً أن بن سلمان على استعداد لفعل أي شيء من أجل ضمان العرش وترسيخ سلطته. لذا لم يكن غريباً أن يحاول السيسي التوسّط لدى الإدارة الأميركية من أجل تخفيف الضغط على بن سلمان. أو على الأقل التظاهر بذلك من أجل إظهار الدعم لحليفه الشاب، حتى وإن كان غير مقتنع به وبمؤهلاته السياسية.
وتظل إسرائيل المستثمر الأكبر في بن سلمان، والتي تعتبره “فرصة ذهبية” لن تتكرّر، وبإمكانه تعويض “كنزها الاستراتيجي” الضائع، ممثلاً في الرئيس المصري المخلوع حسني

“على الرغم من ضغوط دولية متزايدة على بن سلمان، لا يزال هناك من يراهنون عليه، باعتباره “حصان طروادة” الذي يمكن تحريكه يميناً ويساراً”

مبارك. فكانت، ولا تزال، الأحرص على أن يظل بن سلمان في السلطة أطول فترة ممكنة. ويحاول رئيس وزرائها، بنيامين نتنياهو، الضغط بكل قوة من أجل تقليل الضغوط الأميركية على بن سلمان على خلفية أزمة اغتيال خاشقجي. وترى إسرائيل في بن سلمان الورقة الأهم التي يمكن استخدامها، من أجل تحقيق أهدافها الإقليمية، وأهمها التصدي لإيران، وتصفية القضية الفلسطينية، وتطبيع علاقاتها مع البلدان العربية والإسلامية. ولم يخجل نتنياهو من التصريح إن بن سلمان يمثل حجر زاوية أساسيا في الاستقرار الإقليمي. ويقود الآن عملية يائسة لتحسين صورة بن سلمان في أميركا، خصوصا لدى إدارة الرئيس دونالد ترامب.
وعلى الرغم من الضغوط الدولية المتزايدة على بن سلمان، لا يزال هؤلاء يراهنون عليه، باعتباره “حصان طروادة” الذي يمكن تحريكه يميناً ويساراً من أجل خدمة مصالحهم، وتحقيق أهدافهم الإقليمية. وهم على قناعة بأن إعادة تشكيل موازين القوة في المنطقة لا يمكن أن يتم إلا من خلال السعودية. كما لا يريد هؤلاء أن يخسروا استثمارهم السياسي في بن سلمان، لذلك فهم الأكثر حرصاً من غيرهم على بقائه في السلطة، مهما كان الثمن. وعلى عكس ما يعتقد بعضهم، ثمّة من يرى في أزمة اغتيال خاشقجي أداة جيدة لمزيد من الابتزاز والاستفادة من بن سلمان، الذي يبدو الآن كفأر مذعور محشور داخل مصيدةٍ، تزداد ضيقاً كل يوم.

إعجاب تحميل...