جوهر الفاشية هو الولاء الشديد للأمة أو العرق، ويجب أن يعلو هذا الولاء على أي ولاء آخر، فليست الطبقة هي الأساس، كما في الاشتراكية، وليس الفرد كما في الليبرالية، بل الأمة التي كانت متفوقة في وقت ما في الماضي البعيد.

قرأنا عن الفاشية أنها تيار سياسي وفكري يشير إلى أقصى اليمين، أو اليمين المتطرّف، وظهر في أوروبا في العقد الثاني من القرن العشرين، وتحديدا كانت بداياته في إيطاليا بعد الحرب العالمية الأولى، عندما تعاظمت المشاعر القومية بعد الإحساس بالظلم الذي وقع على إيطاليا، بالإضافة للأزمة الاقتصادية التي حدثت في ذلك الوقت.
ويمكن تعريف الفاشية بأنها نزعة قومية عنصرية، تُمجّد الدولة إلى حدّ التقديس، وترفض نموذج الدولة الذي ساد أوروبا منذ أواخر القرن التاسع عشر، القائم على الليبرالية التقليدية والديمقراطية البرلمانية التعددية، واصطلاح الفاشيّة بالإنكليزية (fascism) مشتق من الكلمة الإيطالية fascio، وتعني حزمةً من القضبان المعدنية أو الصولجانات كانت تُحمَل أمام الحكام في روما القديمة، دليلًا على سلطاتهم، وبدأ استخدامها في إيطاليا في تسعينيات القرن التاسع عشر، لتشير إلى جماعة أو رابطة سياسية.
ولا يمكن القول إن هناك اتفاقا أكاديميا على تعريف الفاشية. ولكن جرى العرف على استخدامها لوصف المشاعر والخطابات المتعصبة بشكل مبالغ فيه، والتي تؤدي إلى ممارساتٍ سلطوية قاسية، أو الأنظمة القمعية الشعبوية التي تعتمد بالأساس على الخطب العاطفية وإثارة المشاعر القومية للجماهير. وكذلك جرى العرف على إطلاق لفظ الفاشية على كل الممارسات المتعارضة مع القيم الليبرالية الحرّة.
وجوهر فكرة الفاشية هو الولاء الشديد للأمة أو العرق، ويجب أن يعلو هذا الولاء على أي 
“لا يزال في البلاد العربية للتوجهات ذات النزعة الفاشية جمهور كبير”

ولاء أو التزام آخر، فليست الطبقة هي الأساس، كما في الاشتراكية، وليس الفرد كما هو في الليبرالية، بل الأمة التي كانت متفوقة أو متميزة في وقت ما في الماضي البعيد، والتي يجب أن تعود إلى التفوق مرة أخرى على حساب الجميع. ولذلك، كثيرا ما يتم وصف الفاشية بأنها من أشكال القومية الشمولية، حيث حكم الفرد الواحد الذي يقود حزبا واحدا، لا يسمح لأي حزب آخر بالمنافسة، ولا يسمح بظهور أي بديل، هذا الحاكم الفرد في منظور الفاشية هو الحامي من الأعداء، وهو الذي سيعيد مجد الأمة، وهو الذي سينتصر لا محالة على أعداء الأمة في الخارج وأعوانهم في الداخل.
ويأتي الفاشيون إلى السلطة، في أغلب الحالات، على إثر حدوث انهيار اقتصادي في البلاد أو بعد هزيمة عسكرية أو كارثة أخرى، أو بعد أزمة سياسية وصراع وصل إلى طريق مسدود، ويكسب الحزب الفاشي تأييدًا شعبيًا لما يبذله من وعودٍ بأنه سينعش الاقتصاد، أو بسبب وعوده باسترداد كرامة البلاد. وقد يستغل الفاشيون خوف هذه الشعوب من الشيوعية أو الأقليات، أو الخوف من الانفلات الأمني وعدم الاستقرار، أو من تكرار التجارب السياسية الفاشلة. ونتيجةً لذلك، قد يستحوذ الفاشيون على السلطة عن طريق انتخابات سلمية أو عن طريق القوة أو عن طريق انقلاب عسكري.
بعد أن يستولي الحزب أو التنظيم الفاشي على السلطة، يتسلم أعضاؤه الوظائف التنفيذية والقضائية والتشريعية في الحكومة. ويكون ذلك تحت سيطرة شخصٍ واحد، وغالبًا ما يكون ذا نزعة استبدادية، وغالبا ما يكون قادرا على الخطاب الشعبوي الجاذب للجماهير والمحرّك للمشاعر. وفي الغالب، تتولى قيادةَ الحكومة هيئةٌ من أعضاء الحزب. ولا يسمح الفاشيون بقيام حزب آخر، أو ظهور أي منافس أو أية معارضة للسياسات، هذا بالإضافة إلى النزعة العسكرية، والجنوح نحو عسكرة المجتمع أو تنظيمه في شكل مليشيات وجماعات مسلحة موالية.
وتشترك التجارب الفاشية في عدة خواص، مثل الحنين الشديد للماضي وإنجازاته والأمجاد القديمة للأمة، بالإضافة إلى تمجيد الذات والعرق والقومية، والتحقير من القوميات والأعراق الأخرى، وتقديس هيبة الدولة والمبالغة في التعصّب الوطني والقومي، والتبجيل والتقديس للزعيم القوي، وكلما كان قاسيا دمويا كان الالتفاف حوله، بجانب إضفاء الطابع العسكري على المؤسّسات، كما أن للسلطة التنفيذية الأفضلية على حساب السلطات الأخرى.
انتهت معظم تجارب الفاشية نهاياتٍ دمويةً، بعد أن قاد هؤلاء الزعماء بلادهم إلى مغامراتٍ غير محسوبة، يحرّكها جنون العظمة، وتعتبر إيطاليا أول البلدان التي تأسست بها الفاشية بشكلها المعروف، وهي النموذج الذي تقاس عليه درجة الفاشية في الأنظمة، فقد واجهت إيطاليا، عقب الحرب العالمية الأولى، أزمةً اقتصاديةً واجتماعيةً ونفسيةً حادّةً، وعجزت الحكومات المتعاقبة عن فضها، وفقدت الدولة هيبتها، واستغل موسوليني هذه الأوضاع لتأسيس الحزب الفاشي، والذي تمكّن من الوصول إلى الحكم وتشكيل حكومةٍ عام 1922، وأقام نظام حكم شمولي دموي، سيطر به على السلطة، وحلّ جميع الأحزاب، ما عدا الحزب القومي الفاشي، وأغلق جميع وسائل التعبير عن الرأي، وأطلق يد السلطة التنفيذية في الحبس والتنكيل بالخصوم والمعارضين، وبارك جهود المليشيات الفاشية الموالية في الاغتيالات واستخدام العنف ضد المجموعات الأخرى.
وفي ألمانيا، كان هتلر يحلم بإقامة ألمانيا العظمى على أساس سيادة الجنس الآري، واستطاع بقدرته على الخطابة الحماسية قيادة حزب العمل القومي، ثم جعله حزب الأغلبية. وبعد أن فاز بالأغلبية عام 1929، أقام نظاما قوميا فاشيا يحكم بالحديد والنار، حكم ألمانيا أكثر من 15 عاما إلى أن انتحر بعد الهزيمة في الحرب العالمية الثانية. وفي إسبانيا، استطاع قائد الجبهة القومية الإسبانية، فرانكو، أن ينتصر في الحرب الأهلية الطاحنة في إسبانيا (1936- 1939)، وأقام نظام حكم فاشي دموي، يمجّد في القومية ويعمل على استعادة أمجاد الماضي، لكنه استطاع تجنّب المصير المؤسف الذي حدث لصديقيه، هتلر وموسوليني، واستمر في الحكم حتى وفاته عام 1975، بسبب عدم تورّطه الكامل في الحرب العالمية الثانية، ولكن أفكاره الفاشية تعتبر من الأفكار المنبوذة والمحظورة، بعد عودة الحكم الديمقراطي إلى إسبانيا ومحاكمة عهد فرانكو.
انتهت معظم تجارب الفاشية نهاياتٍ مأساوية بعد الهزيمة العسكرية، أو بعد الثورات العنيفة، أو الانقلابات المسلحة، فقد انتحر هتلر وعديدون من قادة النازية، وتمت محاكمة مئات من 

“يأتي الفاشيون إلى السلطة، في أغلب الحالات، على إثر حدوث انهيار اقتصادي في البلاد أو بعد هزيمة عسكرية أو كارثة أخرى”

مساعديه، وتم سحل موسوليني وإعدامه، وتعليق جثته في شوارع روما بعد الثورة عليه عقب الهزيمة. وحدثت كذلك نهايات عنيفة أو كارثية أو دموية لتجارب الفاشية في إسبانيا واليابان واليونان والبرازيل. وبشكل عام، يمكن القول إن الفاشية تصنّف، في عصرنا الحالي، فكرا متطرفا يحظر ترويجه علانية، وظلت الجماعات الفاشية تصنف محظورةً في بلدان أوروبية عديدة وقتا طويلا. وحتى اليوم، وعلى الرغم من ظهور مجموعات جديدة من الشباب تنتمي لتيار اليمين المتطرّف، أو تحاول إعادة إحياء الفاشية، مثل مجموعات النازيين الجدد، وتلك التي تحض على كراهية المهاجرين والعرب والمسلمين، إلا أنه لا يزال فكرا منبوذا ومستهجنا بشكل عام في القيم الأوروبية الحالية. ومع عودة ترويج الفكر الفاشي والنازي في أوروبا علانية، وفوز اليمين المتطرف في بعض البلدان بعد موجات المهاجرين، إلا أنه لا يزال فكرا يمثل الأقلية في أوروبا.
أما في بلادنا العربية، فلا يزال للتوجهات ذات النزعة الفاشية جمهور كبير، على الرغم من كل التجارب الكارثية التي مر بها الوطن العربي، فعلى الرغم من الهزيمة العسكرية المخزية عام 1967، لا يزال هناك دراويش لعبد الناصر أو حافظ الأسد أو صدام حسين أو معمّر القذافي باعتبارهم رموز العروبة وأسود القومية العربية. ولذلك لا عجب في أن يكون النظام الحالي في مصر امتدادا لنظام يوليو، وإن تغيّرت البوصلة نحو الغرب والرأسمالية، مع الاحتفاظ بالنزعة الاستبدادية لنظام الحكم. وللأسف، لا يقل البديل المطروح فاشيةً عن الفاشية العسكرية، فالأصولية الدينية والبديل الجاهز في الوطن العربي يستخدم أساليب وخطابات تصنف كأنها فاشية الجوهر، مثل الحديث عن أمجاد الماضي، والتمييز الديني، وكراهية الآخر، واستحلال دمه، بالإضافة إلى التنظيم الشديد والخطاب العاطفي الذي يستثير حماسة الجماهير، بل تنحاز الأقلية المنتسبة للفكر الليبرالي في الوطن العربي، في بعض الأحيان، للفاشية العسكرية، ويستخدم بعضها مصطلحاتٍ لا تقل فاشية، كما رأينا في مرحلة ما بعد 3 يوليو 2013 في مصر، فكيف يكون الخروج من تلك الدائرة المفرغة؟