الأمن الباكستاني يفتش نازحين في بيشاور(14نوفمبر/2014/ أ.ف.ب)

نويد أحمد

لقراءة المقال على الموقع الأصلي: اضغط هنا

تبدأ المحادثات المباشرة بين حركة طالبان وحكومة أفغانستان في الأسابيع المقبلة. حيث تم تشكيل فريق التنسيق الرباعي (QCG) الذي يضم أفغانستان وباكستان والصين والولايات المتحدة، للإشراف على طريقة سير المحادثات. وقد أثبت الاجتماع في 18 يناير/كانون الثاني الجاري بالدليل القاطع أن هناك نضجاً متزايداً الآن، أكثر من أي وقت مضى.

إلا أن إدارة الحدود بين أفغانستان وباكستان لا تزال تمثل تحدياً، اذ إن عشرات من الإرهابيين عبروا، أخيراً، الحدود لمهاجمة إحدى الجامعات الباكستانية القريبة، وقتلوا نحو ستين من الطلاب في إطلاق نار عشوائي، بالإضافة إلى استخدام المتفجرات، في حين أن عشرات من المهاجمين قتلوا أيضاً. ومع ذلك، هناك مزيد من التهديدات للمدارس الباكستانية، حيث أن الإرهابيين ضعيفون جداً، ولا يستطيعون مهاجمة الجيش أو الشرطة بعد الآن. بينما تبقى كابول غير قادرة على إغلاق حدودها وملاحقة الإرهابيين الذين يختبئون في البلاد. ومع هذا، هناك قدر كبير من التفاؤل، لمنع تكرار هذه الأحداث.  

مات تنظيم القاعدة في أفغانستان (المكان نفسه الذي وُلد فيه). وخلافاً لما يروج من مخاوف، فإن اغتيال أسامة بن لادن في عام 2011 كان آخر مسمار يُدقّ في نعش مشروع التطرّف اللعين متعدد الجنسيات. كما أنه، ومنذ أكثر من سنة، كانت الأخبار عن اختفاء زعيم “طالبان” الملاّ عمر تتأكد يوماً بعد يوم. ومع هذا العدد الكبير من الوفيات التي تم لفظهـَا مرة واحدة، قد نستنتج أن أفغانستان والمناطق المُجاورة من باكستان في استعداد تامّ كي تحتضن السلام والازدهار من جديد. ومن السهل جدّا الوصول إلى هذا الاستنتاج، إذا ما أخذنا بالاعتبار العوامل الثلاثة التالية: سيطرة الدولة على المناطق القبلية الباكستانية مثل وزيرستان، وعشرات المحافظات المجاورة لأفغانستان، المصالحة السياسية في كابول، ووتيرة إعادة الإعمار.

جنوب شرق أفغانستان ومنطقة شمال غرب باكستان، على طول الحدود، هي مفتاح السلام والازدهار. بالنسبة لخبراء كثيرين، منطقة وزيرستان هي الأكثرُ فوضى. أمّا العامِلان الآخران فيأتيان في درجةٍ ثانيةٍ، من حيث الإلحاح والتأثير.

أعلنت إسلام آباد عن أنباء طيبة من جانبها، ما يُعتبر إنجازا عظيماً. كما أن باكستان تقول إن

“جنوب شرق أفغانستان ومنطقة شمال غرب باكستان، على طول الحدود، هي مفتاح السلام والازدهار. بالنسبة لخبراء كثيرين، منطقة وزيرستان هي الأكثرُ فوضى” عملية “ضربِ غضب” المكلّفة والمكثفة التي تشنّها توشك على الانتهاء. ثم إنه تم تطهير المناطق القبلية التي تقع على الحدود الباكستانية من “طالبان” وتنظيم القاعدة، باستثناء بعض فصائل المُقاومة في الشمال الغربي المنسيّ. وقد قال المتحدث باسم القوات المسلحة الباكستانية، عاصم باجوا، في أحد تصريحاته لوسائل الاعلام: “تم تمشيط وداي شوال أيضاً. ما يلزَمُنا الآن هو الاستمرار في عملياتنا في الشمال ـ الغربي من الوادي”. وبعد انطلاقها سنة 2014، دخلت عملية “ضربِ غضب” في مرحلتها النهائية في أواخر أغسطس/آب الماضي، عندما شن الجيش هجوماً برياً في “شوال” التي كانت تعتبر من آخر معاقل المسلحين في المنطقة. كما أنّ وادي شوال الذي يحد جنوب وزيرستان من جهة وأفغانستان من جهة أخرى، يتميز بأصعب التضاريس في المنطقة القبلية، ناهيك عن الجبال والغابات الغادرة.

ويقول الجيش إنه تم إنهاك قوى جميع المنظمات الإرهابية، بما في ذلك “طالبان باكستان” وحركة شرق تركستان الإسلامية (حركة تركستان الشرقية الإسلامية)، و”الحركة الإسلامية لأوزبكستان”، بالإضافة إلى “شبكة حقاني طالبان” و”داعش”.

وعلى مدى الأشهر الـ 18 الأخيرة، قتل الجيش الباكستاني نحو 3400 من الإرهابيين المنتمين إلى الجماعات الإرهابية المختلفة، في حين تم الإجهاز على 837 من مخابئهم. واستناداً إلى المعلومات الاستخبارية التي تم جمعها في العملية التي أجريت عبر باكستان، فقد قتلت الأجهزة الأمنية 183 من الإرهابيين المتشددين، واعتقلت 21193 آخر. وفي الوقت نفسه، خسرت قوات الجيش والقوات شبه العسكرية ما يقارب 488 رجلاً. كما تم عقد 11 محاكمة عسكرية أدت إلى إدانة 31 إرهابياً، بتنفيذ 142 عملية إرهـابية. حُكم على 27 منهم بعقوبة الإعدام، وحصل الأربعة الباقون على السجن المؤبّد.

أما الإرهابيون المنتمون لطالبان، والذين لم يتم أسرهم أو إعدامهم، فقد نزحوا إلى جنوب أفغانستان، أو تحصنوا في الزوايا الأخيرة من وادي شوال. ومصير الحملة العسكرية التي تأخر تنفيذها كثيرا، والتي تزامنت مع خروج حلف الناتو من باكستان، أمر بالغ الأهمية، ليس فقط للمنطقة. ولكن أيضا لأصحاب المصلحة الدوليين في الدولة التي مزقتها الحرب، والذين تختلف تعاريفهم لمفهوم “النجاح”.

من نعيم السيّاح إلى جنة الإرهابيين

منذ عهد الاستعمار البريطاني، ظلّ ثلث المنطقة الحدودية بين باكستان وأفغانستان إلى اليوم تحت الحكم الذاتي وغير خاضع لأي دولة. ومثل باقي أحياء ومُقاطعات المناطق القبلية السبعة الخاضعة للإدارة الاتحادية (FATA)، فإن شمال وزيرستان أيضا يسكنه البشتونيون. وتلتزم هذه القبائل بمدارس إسلامية متطابقة (مدارس حنفية)، وتنقسم على حدودٍ تُسمّى خط دوراند، رسمها البريطانيون الذين تجاهلوا العلاقات القبلية والتاريخ.

وبقصد الاستفادة من رد الفعل الأفغاني السلبي تجاه الاقتتال الداخلي، فإن حكومة بي نظير بوتو  في إسلام آباد ساعدت على تشكيل ميليشياتٍ من البدو، يُدعون عادة طالبان – تتألف في معظمها من المسلمين السنة الذين تعلموا في المدارس الدينية، قرب مخيمات اللاجئين في المناطق القبلية في باكستان. وكان وزير الداخلية، الفريق نصر الله بابار حينها يأمل إنهاء الفوضى في أفغانستان عن طريق إنشاء ميليشيا باكستانية صديقة لأفغانستان. وفي غضون عامين بعد إنشائها في عام 1996، كانت حركة طالبان تسيطر على 95% من البلاد.

إلى جانب باكستان، فقد اعترفت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة أيضا بحكومة طالبان في كابول. ومن المثير للاهتمام، أنّ قطر التي تستضيف، الآن، المكتب السياسي لطالبان في الدوحة لم يكن لديها أي علاقات دبلوماسية رسمية آنذاك مع طالبان.

وكانت واشنطن قد أصبحت قلقة من المسلحين الأجانب المقيمين في أفغانستان، بعد تفجيرات السفارتين المميتين في دار السلام، تنزانيا ونيروبي، كينيا. فقد أدت الهجمات العقيمة بصواريخ كروز التي نفذتها أميركا على شرق وجنوب أفغانستان في أغسطس/آب 1998 إلى إثارة غضب المقاتلين الأجانب المنتمين إلى تنظيم القاعدة الذين نفّذوا هجماتٍ بهدف الانتقام. ومع ذلك، لم يحدث أي تغيير على أرض الواقع في المناطق القبلية حتى عام 2003.

وقد أحس المسلحون الأجانب (معظمهم من العرب، بالإضافة إلى عدد قليل من الجمهوريات السوفييتية السابقة في آسيا الوسطى) الذين تزوجوا نساء محليات، أو جلبوا عائلاتهم معهم، بأنهم في موْطنهم، ما جعلهم يتحركون بسهولةٍ، وأينما أرادوا. ومع تعرّض الحكام العسكريين الباكستانيين ووكالاتهم الاستخباراتية إلى ضغوط خارجيةٍ، للحد من تنظيم القاعدة وأنشطة “طالبان” السرية، تغيرت استراتيجية المتطرفين كثيراً. فقد بدأت جماعة طالبان باكستان التي اتخذت وزيرستان الشمالية مقراً لها، تنشُط انطلاقاً من جميع المناطق القبلية السبع، بالإضافة إلى بيشاور وكويتا، وشرعت في تنفيذ الهجمات القاتلة في باكستان.

وبسبب تردد باكستان في شن عمليةٍ شاملةٍ في منطقة وزيرستان، فقد أطلقت الولايات المتحدة حملة استهدفت من خلالها قيادة تنظيم القاعدة من خلال أسطول من الطائرات بدون طيار. وعلى الرغم من ذلك، لم تكن واشنطن مقتنعةً بأن هذه الهجمات الجوية قد تكون ناجعةً، مثل ما قد تكون العمليات الأرضية الشاملة.

وعلى المستوى الإنساني، خلفت عشريّة من الخلاف ضحايا عديدين، وخراباً كبيراً في الجانبين، الزراعي والتجاري. كما أن السكان عاشت حالة من الرعب، بسبب وجود حشود من المجموعات الإرهابية، والهجمات الجوية التي كانت تطلقها الطائرات الأميركية من دون طيار، وكذلك بسبب المناوشات المتكررة بين بعض المحاربين والجيش الباكستاني، والتي نتجت عنها خسائر بشرية عديدة. ولأن ذلك يخدم مصالحها، فواشنطن تضغط، منذ مدة طويلة، على إسلام أباد، من أجل إخلاء المنطقة من المحاربين. وبالفعل، تم لواشنطن ما كانت تصبو إليه، بفضل قرار قائد الجيش العام الجنرال راحيل شريف الذي استعاد المنطقة الاستراتيجية من أيدي المجموعات المسلحة غير الحكومية.

وقد كانت أول وأكبر نتيجة لذلك ترحيلُ مهول للسكان المحليين. فقد هرب أكثر من مليون شخص من المنطقة باحثين عن الأمن، إلا أن هناك من فضل البقاء في مكانه، أو مع أقاربه، على السكن في مخيمات المشردين داخلياً، بسبب العادات والتقاليد الداعية إلى الحفاظ على خصوصية النساء. وعلى الرغم من سنة ونصف من التشرد، لم تحدث هناك أي ثورة على هذه العملية، بل بالعكس، تأمل الأغلبية في الرجوع إلى حياتهم العادية في وزيرستان. لكن، بدون ميليشيا مسلحة، كانت تمارس ضغطاً كبيراً عليهم.

وتدّعي الحكومة الباكستانية أن أكثر من 1.9 بليون دولار أنفِقت لحد الساعة على عملية ضرب عزب وعلى مخيمات المتشردين. ومن المتوقع أن ترتفع التكلفة إلى بليون دولار آخر، لأن السكان بدأوا العودة إلى منازلهم، ما سيحتم بدء عملية إعادة الإعمار.

وقد انتقدت أفغانستان العملية العسكرية التي تقوم بها باكستان، زاعمة أن المحاربين قد يهربون عبر الحدود، ويتفادون بذلك الاعتقال أو القتل. وتضم قائمة المحاربين الهاربين مجموعة من قيادي “طالبان”، كالمولى فضل الله وشبكة حقاني. وبسبب نقص اليقظة من الجانب الأفغاني، شق المحاربون طريقهم إلى المناطق الشرقية والجنوبية من البلاد، خصوصاً منطقتي كونر ونورستان.

 

تحديات مستقبلية

ما زالت باكستان ملزمة بتجاوز مرحلتين أساسيتين، إذا أرادت أن تفرح بالنصر. فإذا كانت المرحلة الحالية تتسم بأنها “واضحة”، فإن المرحلتين الآتيتين تتسمان بالصعوبة والتحدي، ويمكن أن نطلق عليهما صفتي “الكبح” و”البناء أو إعادة البناء”. فبالنسبة للمرحلة الثانية، هناك اتفاق بين الحكومة المدنية والجيش على بناء معسكر كبير وقاعدة جوية في شمال وزيرستان. على أن يُبقيَ الجيش على أمن المنطقة وسلامتها حتى سنة 2018.

وتحتاج الحكومة في مرحلة “البناء” إلى العمل على إحداث توافق سياسي، من أجل ضمان المساواة في الحقوق بين مواطني المناطق القبلية الخاضعة للإدارة الاتحادية (FATA)، وكذلك العمل على إلغاء قوانين جرائم الحدود التي كانت في الفترة الاستعمارية. وتحتاج إسلام أباد كذلك إلى تحويل النظام الإداري للمناطق القبلية الخاضعة للإدارة الاتحادية (FATA) من وضعٍ شبه مستقل إلى منطقة متحكمٍ فيها بالكامل. ولكي تتخلص كلياً من جذور التشدد والنضال المتعصب، على باكستان أن تعمل على ضمان محفزات اقتصادية مستمرة، وفي إطار تنفيذي منظم.

منح المنطقة القبلية نظاماً إقليميا، طبقاً لدستور باكستان الحالي، سوف يعطيها استقلالية اقتصادية قد تتم في شكل إشراف ومراقبة للموارد والضرائب. وفي هذه المرحلة، سيكون محتماً على الجيش أن يتراجع، ويترك زمام الأمور إلى كبار القبيلة وللبرلمان.

أكبر وأهم إنجاز جاءت به عملية ضرب عزب هو التقليص من المساحة للمحاربين الداخليين والخارجيين، لكي يخططوا وينظموا هجمات إرهابية، ليس فقط في شمال وزيرستان، ولكن أيضاً في باقي أرجاء باكستان والبلدان المجاورة. وضم المناطق القبلية إلى نظام دستوري وديمقراطي، بحضور قوى عسكرية في إطار معسكرات كبيرة، قد يساعد كثيراً في ضمان استقرار طويل الأمد في المنطقة، وقد يبشر كذلك بخيرٍ كثير. ويبقى الخبر السار، إلى الآن، هو الانتكاسة غير المحسوسة لعملية ضرب عزب. فباستثناء تراجيديا مدرسة بيشاور، لم يكن هناك أي عمل إرهابي خطير في الأشهر الثماني عشر الماضية.

وعلى الرغم من أن تحالف رئيس أفغانستان أشرف غني وعبدالله عبدالله لم يتم على الوجه المرغوب، إلا أن غياب الخلاف السياسي يبقى خبراً ساراً. فكابول تحتاج إلى حكومة وطنية برغماتية، والتي تضع في أولوياتها مستقبل المواطنين الأفغان، وأن لا تدفع في اتجاه أجندة انتقامية. فالرئيس غني أبدى حسن نيته اتجاه الجيران، بهدف تحسين العلاقات وتطويرها أكثر من رئيس الحكومة عبد الله. ثم إن العلاقات مع باكستان تحسنت أخيراً، ما عدا خلافاتٍ داخلية حول الحاكمية أو الأمن، ومن سيترأسهما، والتي سبق لها وأن كانت السبب وراء الإحراج الكبير الذي تعرضت له كابول، عندما سيطرت “طالبان” على قندز في شمال البلاد. بالإضافة إلى ذلك، فشل عبد الله في الحفاظ على أمن المنطقة الديبلوماسية التابعة لكابول. وتبقى مسألتا القانون والنظام شيئاً لا تلقي له البال الحكومة القائمة في أفغانستان.

أما والحال هذه مع انخفاض أسعار البترول، وطبيعة الخلافات المسلحة في كل من سورية، والعراق، واليمن، وليبيا، فستحظى أفغانستان باهتمامٍ قليل فيما يخص احتياجاتها، من أجل إعادة الإعمار. فهذا الخفوت غير المسبوق من الداعمين بدأ يلوح في الأفق، مع تفاقم الأزمات الإنسانية في اليمن وسورية والعراق وليبيا. أما أفغانستان وفلسطين فأصبحتا في مؤخرة لائحة الأولويات في الوقت الراهن. في حين أن الغرب يستعد لمواجهة روسيا العائدة تحت قيادة بوتين.

من منظور الدعم الدولي، تقف أفغانستان في المكان نفسه الذي كانت فيه، بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. لكن الخبر السار عدم وجود أي حروب أهلية، ووجود حكومة منتخبة، على الرغم من أنها ليست كفؤة، ولا صادقة كما يجب أن تكون.

أخيراً وليس آخراً، يجب القول إن باكستان عملت الكثير من جهدها، لكي تحسن من أوضاعها. وبدَين يناهز 90 بليون دولار، فإن إسلام أباد لا زالت تصارع من أجل الحفاظ على هذه الحال. كما لا يبدو أنها ستكون قادرةً، مرة أخرى، على خوض مغامرة أخرى عند حدودها الغربية شبيهة بتجربة “طالبان”.