نتنياهو وتسيبراس في مؤتمر صحفي في القدس (27 يناير/2016/Getty)

عدلي صادق

لقراءة المقال على الموقع الأصلي: اضغط هنا

على النقيض مما قيل، في سياق السجال السياسي في الإقليم، تعقيباً على أنباء تحدثت عن فرضية ترميم العلاقة بين أنقرة وتل أبيب؛ فإن من شأن حقائق العلاقة بين أثينا وتل أبيب أن تأخذنا إلى وجهةٍ مغايرة. فمن متابعة الخط البياني، أو المنحنى، المتعلق بالعلاقة الإسرائيلية ــ اليونانية، يتبين للمعلق، أو الباحث الموضوعي، أن هذه العلاقة لم تزدهر، إلا في مراحل تراجع العلاقات الإسرائيلية التركية. فمنذ تسلم حزب العدالة والتنمية الحكم في تركيا، في العام 2002، تقدمت العلاقة اليونانية الإسرائيلية خطوات إلى الأمام، بعد أن كانت شهدت انفراجاً مع وفاة الرئيس اليوناني، أندرياس باباندريو، في 1996. وتحسّنت أيضاً العلاقات الأميركية اليونانية، ليسجل رئيس دولة إسرائيل آنذاك، موشي كاتساب، الزيارة الأولى لرئيس إسرائيلي إلى اليونان. ولما حدث التردّي الكبير، في علاقة أنقرة بتل أبيب، إثر “حادث مرمرة” في 2010 خفّ الحاكمون في تل أبيب إلى توثيق الصلات مع أثينا، فقام جورج باباندريو، ابن الراحل أندرياس، الذي أصبح رئيساً للوزراء، بزيارة رسمية إلى إسرائيل، في يوليو/تموز 2010، لتعزيز العلاقات بين الدولتين. وفي تلك الغضون؛ قام بنيامين نتنياهو، بزيارة جوابية إلى اليونان في الشهر التالي. وفي مباحثاته هناك، اختلى ساعة ونصف الساعة، مع جورج باباندريو، ليبحثا آفاق التعاون وخططاً للتساند العسكري والاقتصادي. وبعد أشهر قليلة، قام أفيغدور ليبرمان، بزيارة دولة، إلى اليونان، أعلن فيها الجانبان عن تشكيل لجنةٍ مشتركةٍ للتعاون الاستراتيجي والأمني.  

أما اليونانيون، من جهتهم، فرأوا في العلاقة مع إسرائيل إحدى ضرورات الردع في مواجهة تركيا. من هنا، تتالت الخطوات. فمع اتساع الشرخ في العلاقات التركية الإسرائيلية، جرت تدريباتٌ مشتركة، لسلاحي الجو الإسرائيلي واليوناني في أكتوبر/تشرين الأول 2010. فيما بعد، أعربت تل أبيب عن امتنانها لليونان، لإعاقتها تسيير رحلة بحرية ثانية لمتضامنين مع غزة. تبعت ذلك استضافة إسرائيل، في قاعدة عوفدا، سرباً من السلاح الجوي اليوناني، للقيام بتدريبات مشتركة. ورد اليونانيون الاستضافة بمثلها، فاستقبلوا طائراتٍ من سلاح الجو الإسرائيلي، في جزيرة بليبونيس في جنوبي اليونان. وتطور الأمر، بدءاً من العام 2011 على صعيد الأساطيل البحرية، ودخل الأميركيون على الخط، فشكلت الدول الثلاث نظام مناوراتٍ بحرية سنوية، أسموها “نوبل دينا”. في تلك المناورات، اختلط التدريبي العسكري بالاستراتيجي والاقتصادي، إذ جرت المناورات للتدرّب على الدفاع عن منصات حقول استخراج الغاز الطبيعي. كلما اتسعت شقة التعارض السياسي بين أنقرة وتل أبيب، ظل الطرفان، اليوناني والإسرائيلي، يتوغلان في الغرام، أكثر فأكثر. وعندئذٍ، حضرت رمزيات الأعلام والألوان في تسميات وقائع التعاون العسكري. فعندما استضافت إسرائيل أضخم المناورات الجوية، بين سلاحي الدولتين، سُميت المناورات “العلم الأزرق”، تيمناً باللون الطاغي في علميهما. ولكي تتبدّى إسرائيل، زعيمة الجو، شاركت، من جانبها، بسبعة أسراب، مقابل سرب يوناني واحد، مع سرب أميركي وآخر إيطالي!

يمكن أن يُقال، هنا، إن إسرائيل كانت ناشطة في التحرك الاستراتيجي. عينها على البحر،

“كان اليونانيون أصدقاءنا تاريخياً، وكان في مقدور العرب الدخول بدبلوماسيتهم واستثماراتهم، لتثبيت العلاقات وإدامتها” وعلى تركيا. أما اليونان، فقد افتتحت لنفسها، في تل أبيب، ملحقية عسكرية.

ولما جاء اكتشاف حقل الغاز القبرصي الكبير “اللوفاثيان”، رأتها إسرائيل فرصتها، لتشكيل تحالف طاقةٍ ثلاثي مع قبرص واليونان، توطئةً لمد أطول أنبوب للغاز في العالم، تحت البحر. وقعّت الأطراف الثلاثة في نيقوسيا، على مذكرة تفاهم، أعقبتها مذكرات. وتلك أنتجت اتفاقاً إسرائيلياً قبرصياً، لتوليد الطاقة الكهربائية (من خلال شركتي هديرا الإسرائيلية وفازيليكوس القبرصية). وطاول الأمر السياسة، ليتفق الطرفان اليوناني والإسرائيلي على توحيد جهود مجموعات الضغط “اللوبيات” اليونانية والصهيونية، الناشطة في الولايات المتحدة. ذلك فضلاً عن التعاون في مجالات الزراعة والثقافة، بل والتعاطي مع فرضية أن الإسرائيليين يعشقون الموسيقى اليونانية، فسافر إلى تل أبيب أشهر مطربي اليونان ومطرباتها. ولأن لكل علاقة مزاعم أو أسانيد ومنتجات كلامية، فقد سمع الشعب اليوناني ثناءً إسرائيلياً عليه، إذ استخرج الصهيونيون من جراب الحاوي قولاً يؤكد على أن اليونانيين كانوا الشعب الأفضل والأكثر إنسانية في أثناء الحقبة النازية، لأنهم خبأوا مواطنيهم اليهود في منازلهم. وكأن سائر الشعوب كانت تؤيد أو إحراقاً أو قتلاً لليهود أو لغيرهم.

كانت لافتةً الحفاوة التي تلقاها نتنياهو من رئيس وزراء اليونان، أليكسيس تسيبراس، وهو اليساري صديق الروس، الذي يلوّح للأوروبيين بورقة التحالف معهم. فقد تمكّن الكريه الظلامي نتنياهو، بخفة الحركة الاستراتيجية، من تعزيز اليونان، حين يلوّح بورقتها للأتراك. وقد بدا في الأمر، أنه وتسيبراس، استأنس واحدهما بالآخر. الأول، يرى في اليونانيين الهامش الكبير للمناورة وفتح الأجنحة، ودفع اقتصاد الغاز خطوات أخرى إلى الأمام. والثاني يرى في التعاون الاقتصادي والعسكري، وفي حلف الغاز الثلاثي، ضالته، في هذه الضائقة.

لعل، في هذا السياق، ما يدعو الى التأسّي على الحال العربية التي ضاع منها التكتيك، بعد طول ضياع للاستراتيجية. فلا تُفتح الأجنحة، إلا في ملاعبهم ضد بعضهم بعضاً، وتنتعش الديكتاتوريات، ويعلو شأن إسرائيل، حتى فيما لا شأن لها فيه، كالغاز الطبيعي الذي يُفترض أنها تتلقاه وتستجديه ولا تجود به. كان هؤلاء اليونانيون أصدقاءنا تاريخياً، وكان في مقدور العرب، منذ وفاة أندرياس باباندريو، الدخول بدبلوماسيتهم واستثماراتهم، لتثبيت العلاقات وإدامتها، على النحو الذي يساعد على انكشافٍ إقليمي ودولي، لسياسات إسرائيل العنصرية. وكيف يفعلون، بينما سياساتهم، ماضيةٌ في تجزئة المجزأ وتقسيم المقسَّم.