93b0f2a1-6b05-4b22-9233-8b59c6b1a902.jpg

مقالات

لقراءة المادة على الموقع الأصلي انقر هنا

مروان قبلان

ينقسم “عرب المشرق” في “تفضيلاتهم” للقوة الإقليمية التي قد “تساعد” في تحقيق أمنهم. يجد بعضهم نفسه في منطقة النفوذ الإيراني، وبعضهم الآخر اختار منطقة النفوذ التركية، أما البعض الثالث، الأكثر سذاجةً والأقل حياء، فراح ينشد الحماية في المشروع الإسرائيلي.

تتسارع خطوات التطبيع التي تقوم بها دول عربية من تونس والمغرب غربًا إلى سلطنة عمان شرقا ويتسع مداها. وإذا كان بعض المدافعين عن هذا التوجه في شطر الوطن العربي الغربي يبرّرون ذلك بأنه “بطاقة عبور إلزامية إلى واشنطن”، فإن الدوافع والمبررات التي يسوقونها لك في المشرق العربي، ومنطقة الخليج تحديداً، أكثر تهافتًا.
هنا تبدو دول الخليج العربية التي تعتمد كليًا في أمنها على قوى من خارج الإقليم (الولايات المتحدة تحديدًا) تائهةً نتيجة إحساسها، مع احتدام حدة الصراع بين الصين وأميركا، أن التزام الأخيرة بأمنها يتلاشى، مع انتقال مركز الثقل في السياسة الدولية نحو شرق آسيا. يحدث هذا الوضع حالةً من التوتر لا تخطئه العين، تدفع هذه الدول إلى التلفت حولها، كما دائما، بحثاً عن حلولٍ خارج حدودها، فماذا تجد؟ تجد ثلاث قوى إقليمية رئيسة تتنافس في المنطقة: إيران، تركيا وإسرائيل.
إيران التي يحكمها تيار قومي – مذهبي متشدّد، تنظر إلى غرب آسيا (المشرق العربي) باعتباره منطقة نفوذ تاريخية، وتسعى إلى الاستثمار في لحظة انهيار العرب (العراق تحديدا)، وانكفاء واشنطن، لهندسة نظام إقليمي جديد بقيادتها، مستخدمةً أدوات قوة غير تقليدية، قليلة التكلفة، إنما فائقة التدمير (مليشيات، تمويل، بناء نفوذ… إلخ). تركيا التي تطل على المنطقة من الشمال وكأنها مارد استفاق من سباته، والتفت إلى المنطقة، بعد أن أشاح نظره عنها ثمانية عقود، يقدّم نفسه نموذجا للحكم والإدارة بعد القفزات الكبيرة التي حققها بقيادة حزبٍ ذي مرجعية إسلامية محافظة، ويرنو إلى قيادة العالم الإسلامي، بحكم امتلاكه ثاني أكبر جيوش “الناتو” والاقتصاد الـ 17 في العالم، ويطمح، خلال سنوات قليلة، إلى بلوغ المرتبة العاشرة. وهناك إسرائيل التي تعمل، بعد أن سلّم (اعترف) أكثر الأنظمة العربية بجريمة اغتصابها أرض فلسطين وما حولها من أرض عربية، إلى انتزاع قبولٍ عربيٍّ بقيادة المنطقة، من منطلق تقدّمها التكنولوجي والصناعي الكبير، وقوتها العسكرية المتعاظمة.
في غياب أي مشروعٍ أو رؤيةٍ خاصة بهم، ووسط حال التيه التي أحدثها الإحساس بالتخلي الأميركي، ينقسم “عرب المشرق” في “تفضيلاتهم” للقوة الإقليمية التي يمكن أن “تساعد” في تحقيق أمنهم، ودرء التهديدات عنهم. يجد بعضهم نفسه في منطقة النفوذ الإيراني، وبعضهم الآخر اختار منطقة النفوذ التركية، أما البعض الثالث، الأكثر سذاجةً والأقل حياء، فقد راح ينشد الحماية في المشروع الإسرائيلي الذي قام أصلا على أنقاض المشروع العربي. المثير للشفقة أكثر أن الأخيرين يظنون أنهم أهل رأي وفطنة، إذ يزعمون أنهم يستخدمون بعض هذه القوى لضربها ببعض، في حين أنهم ليسوا أكثر من مجرد أدواتٍ في صراع هذه القوى مع بعضها. فإسرائيل التي تعيش حالةً من الحبور المفعم بالدهشة من مدى “الاندلاق” العربي عليها، تدرك أنها لا تستطيع وحدها مواجهة إيران، أو تركيا، ولذلك تعمل على استثمار خوف بعض العرب من هاتين القوتين أو إحداهما في مواجهتها معهما. بالنسبة لإسرائيل، يمتلك العرب مقدرات كبيرة، إنما لا يعرفون كيف يديرونها، هي ستديرها لهم، وتسخّرها في خدمة مشروع هيمنتها على الإقليم. وينطبق الأمر نفسه على المنافسين الآخرين، حيث يعمد كل منهم إلى استخدام “جماعته من العرب” للفوز بالمنطقة.
ارتكبت بعض دول الخليج العربية خطأ فادحا، إذ كانت تظن أن التهديد الأكبر لها يأتي من دول الشمال العربية القوية (العراق وسورية)، فما أن سقطت هاتان الدولتان حتى غدت حدود تركيا وإيران على الخليج. وترتكب هذه الدول الآن خطأ أكبر باعتقاد بعضها أن التحالف مع إسرائيل يسهم في كبح جماح تركيا وإيران، فدروس الصراع في سورية والعراق تبيّن أن القوى ذات المشاريع المتنافسة باتت تميل أكثر إلى حروب الوكالة الأقل كلفةً في صراعاتها الإقليمية. في هذه الحروب، لن يكون العرب أكثر من أدوات وساحاتٍ لهذه الصراعات. ما لم يصح العرب من هذه التهيؤات والأوهام، ويبدأوا بإنتاج مشروعهم الخاص في مواجهة مشاريع الآخرين، فالأرجح أنهم سيقعون من جديد تحت الهيمنة الأجنبية، وسيحل سؤال “عرب من أنت؟” مكان السؤال الدارج اليوم “من أي بلد عربي أنت؟”.

إعجاب تحميل...