d6f15bbb-fb54-4870-9cc3-3e717c01b038.jpg

مقالات

لقراءة المادة على الموقع الأصلي انقر هنا

علي أنوزلا

ما تشهده اليوم بعض مدرجات الملاعب الرياضية المغربية هو بداية تبلور ما يمكن تسميتها “ثورة الإلتراس” بالمفهوم الاجتماعي للثورة. وإن تمكّنت السلطة غدا من احتواء صوت هذه “الثورة” داخل المدرجات، فسوف تجد لنفسها مساحة أخرى بديلة، وأدوات أخرى.

باتت تجتاح ملاعب كرة القدم المغربية اليوم ظاهرة جديدة، إنها ظاهرة الإلتراس الذين يرفعون شعارات سياسية، منتقدةً سياسات الدولة. وأصبحت تثير انتباه الإعلام والسياسيين والمتتبعين للشأن السياسي بصفة عامة في المغرب، والمهتمين بتطور الحركات الاجتماعية، خصوصا منها المسيسة، فمنذ الحراك الشعبي الذي عاشه المغرب، بتأثير من رياح “الربيع العربي” عام 2011، أصبحت الحركات الاجتماعية في المغرب تأخذ طابع التسييس، وترفع مطالب وشعارات سياسية منتقدة ومعارضة للسلطة. وبخصوص ظاهرة “الإلتراس”، فهي ليست جديدة في المغرب الذي يعرف بقوة هذه المجموعات من المشجعين الكرويين، والتي بدأ تبلورها على مدرجات ملاعبه منذ عام 2005، حتى باتت إلتراس فرق مغربية كبيرة مثل “الوداد” و”الرجاء” في الدار البيضاء تصنف من ضمن الإلتراس العشر الأوائل في العالم من حيث التنظيم والعدد. وفي السنوات الأخيرة، اجتاحت ظاهرة الإلتراس باقي الفرق المغربية في المدن الأخرى، حتى بات لكل الفرق المغربية الكبيرة “إلتراسها”. ويقدّر المهتمون بالشأن الرياضي المغربي عدد جماهير الإلتراس بأكثر من مليون مشجّع.
“أغلب الفرق الرياضية المغربية الكبيرة توجد داخل المدن، ما جعل مستوى وعي جماهيرها السياسي مرتفعا، وقادرا على التعبير عن حالة الاحتقان”

في البداية، كانت جماهير الإلتراس ترفع شعاراتٍ رياضيةً، هدفها تشجيع فريقها الرياضي، والحط من معنويات خصومها داخل المدرجات، وغالبا ما كان ينتهي التنابذ بالشعارات إلى أعمال عنف وشغب تجتاح المدرجات، وتخرج إلى الشوارع. وكانت السلطة ترى في الظاهرة عاملا إيجابيا بالنسبة لها، لأنها تُبعد الشباب، وخصوصا في صفوف الجماهير الرياضية، عن السياسة، وتبقيها بعيدة عن الحركات الاجتماعية ذات النفحة السياسية. ومن هنا، كان هناك اهتمام كبير بتشجيع الإلتراس في الإعلام الرسمي التابع للدولة. وفي حالاتٍ كثيرة، سعت السلطة إلى استعمال الإلتراس لتمرير بعض خطاباتها السياسية، وعملت أحزابٌ سياسيةٌ مقرّبة من السلطة على استقطاب جماهير الإلتراس للتصويت لصالحها في الانتخابات. لكن العلاقة بين الإلتراس والسلطة ظلت دائما متوترة، يشوبُها حذرٌ كثير، فشعار الإلتراس أنهم “ضد السلطة وضد الإعلام”، وبدأ هذا الشعار يتبلور أكثر مع القمع الذي واجهت به السلطة أعمال الشغب في الملاعب والإجراءات القاسية التي اتخذتها ضد بعض الإلتراس، عندما حضرت جماهيرها من دخول الملاعب، أو عندما قرّرت حل بعض الإلتراس. وتبع الإعلام الرسمي قرارات السلطة بمهاجمة الإلتراس وشيطنتها، وهو ما حوّل السلطة وإعلامها إلى أعداء للإلتراس، لكن هذا “العداء” ظل داخل الملاعب، وكان ذا طابع كروي محض، ولم يتخذ أبعادا سياسية، حتى الفترة الأخيرة، عندما بدأت بعض الإلتراس ترفع شعاراتٍ سياسيةً قوية، تنتقد السلطة، وتعبر عن حالة الاحتقان السياسي التي يشهدها المجتمع المغربي.
تجاوز الأمر مجموعات المشجعين الرياضيين إلى ما يمكن أن توصف بالحركة الاجتماعية التي باتت تلفت انتباه المتتبعين والدارسين، حركة اجتماعية في بداية تبلورها تتخذ من مدرجات الملاعب منصّاتٍ للتعبير عن مطالبها، ورفع شعاراتها السياسية. وقد بدأت الظاهرة تجتاح الملاعب الرياضية من خلال تكرار الظاهرة، وترديد الشعارات السياسية نفسها، وأحيانا كثيرة إبداع شعارات جديدة، بل وانتقل الأمر إلى نظم أغانٍ وأهازيج سياسية مائة بالمائة، تحمل خطابات سياسية قوية، منتقدة ومعارضة ورافضة، تعبّر كلماتها عن الظلم والتهميش، وتنتقد غياب العدالة الاجتماعية، وضعف الخدمات الاجتماعية من صحة وتعليم، وتهاجم المؤسسات، مثل الحكومة والبرلمان، وتتوجّه إلى أعلى سلطة في البلاد، بلغةٍ مباشرةٍ قويةٍ تتحدّى ما توصف في المغرب “هيبة الدولة”.
قوة هذه الحركات الاجتماعية الجديدة قيد التبلور تكمن في أن أغلب جمهورها من الشباب، وأن التحامها حول فرقها يجعلها ملتئمة فيما بينها داخل كتلةٍ واحدةٍ قوية، وكذلك أنها تنتمي إلى الوسط الحضري، بما أن أغلب الفرق الرياضية الكبيرة توجد داخل المدن، ما جعل مستوى وعي جماهيرها السياسي مرتفعا، وقادرا على التعبير عن حالة الاحتقان والتذمر التي تعيشها مجتمعاتها. لكن خطورة هذه الظاهرة أنها غير مؤطّرة، وإن كانت صفوفها تبدو منظّمة، وبلا قيادات بارزة يمكن مخاطبتها والتحاور معها، فشعار الإلتراس هو “نكران الذات”، والاندماج في الجماعة إلى درجة الذوبان، لتحقيق “روح الفريق” الواحد. وتستدعي دراستها علم النفس

“حركة اجتماعية في بداية تبلورها تتخذ من مدرجات الملاعب منصّاتٍ للتعبير عن مطالبها، ورفع شعاراتها السياسية”

الاجتماعي، كما بلوره غوستاف لوبوان في كتابه الشهير “سيكولوجية الجماهير”، فهذه الظاهرة تحتاج إلى كثير من أدوات المعرفة الاجتماعية والنفسية والسيكولوجية الحديثة لدراستها ومعرفة كيفية تطورها. لكن هذه المقالة تقف عند بعض الإشارات الدالة التي يمكن أن تشكل بدايةً لكيفية فهمها أولا، قبل إصدار أي حكم عليها، والحكم على تطوّرها مستقبلا. فهذه الظاهرة جاءت كامتداد أو كصدى لحركة “المقاطعة الاقتصادية” التي اجتاحت المجتمع المغربي الصيف الماضي، عندما قرّرت شرائح واسعة من الشعب المغربي مقاطعة “ماركات” تجارية بعينها، وألحقت خسائر مادية كبيرة بمبيعات منتجاتها داخل الأسواق المغربية. ومثل حركة “المقاطعة الاقتصادية”، فإن ظاهرة الإلتراس السياسي ظهرت في ظرفيةٍ اجتماعيةٍ يعيش فيها المجتمع المغربي حالة احتقان اجتماعي قوي، عبرت عنها الحركات الاحتجاجية الكثيرة التي شهدتها أكثر من منطقة في المغرب، وكان “حراك الريف” أكبر تعبير عنها، وكلها تمت مواجهتها بالقمع والاعتقالات والمحاكمات التي انتهت بإصدار أحكام قاسية ضد قادتها. وخروج تعبيرات احتجاجية جديدة غير مؤطرة، وبلا قيادات بارزة، مثلما هو الأمر بالنسبة لحركتي المقاطعة الاقتصادية والإلتراس، يقابله على الجهة الأخرى فراغٌ كبيرٌ على الساحة السياسية التي تراجع فيها دور الأحزاب السياسية والنقابات العمالية التي كانت تلعب دور الوسيط.
لقد أدى القمع الذي واجهت به السلطة في المغرب مطالب الحركات الاجتماعية في عام 2016، والتضييق الذي وصل إلى حالة الاختناق لهامش الحرية والتعبير والصحافة والتظاهر والتنظيم، والمراقبة الشديدة على الفضاءات الافتراضية، وجو الخوف الذي باتت السلطة تستعمله أداة للضبط والتحكّم، أدّى إلى بروز ظواهر اجتماعية جديدة، تبحث لنفسها عن منافذ للتعبير وأدوات أخرى للاحتجاج، من أجل إيصال أصواتها المختنقة، فما تشهده اليوم بعض مدرجات الملاعب الرياضية المغربية هو بداية تبلور ما يمكن تسميتها “ثورة الإلتراس” بالمفهوم الاجتماعي للثورة، وإن تمكّنت السلطة غدا من احتواء صوت هذه “الثورة” داخل المدرجات، فسوف تجد لنفسها مساحة أخرى بديلة، وأدوات أخرى، تتجاوز كل رقابة أو ضبط، وقد حان وقت الإنصات إليها، والتجاوب معها، بدلا من ترك الحبل على الغارب.

إعجاب تحميل...