بشرى المقطري

لقراءة المقال على الموقع الأصلي: اضغط هنا

لم يدرك ثوار الربيع العربي أن أحلامهم بالتغيير السلمي وإقامة مجتمع حر ستكون، بعد خمس سنوات، حصاداً مُراً لويلات صراع سياسي، واحتراب أهلي، وملاحقات أمنية، فثورات الربيع العربي لم تحقق غاياتها النبيلة، وتكشفت عن مآلات مأساوية؛ حيث وقفت ثورة الياسمين على عتبة التحول الديمقراطي، من دون أن تكمل مسارها الطبيعي، وتحقق المطالب الاجتماعية للشعب التونسي. وفي ردة اجتماعية وسياسية فارقة، أصبح مجرد المشاركة في ثورة 25 يناير تهمة تلاحق مصريين كثيرين، وقد تزج بهم في السجون، في ظل نظام عسكري، انقض على مكتسبات الثورة، وليس الحال أفضل في ليبيا التي لم تشهد استقراراً سياسياً يُذكر، على الرغم من كل المساعي الدولية. كما تدخل الثورة السورية عامها الخامس، وقد تحولت من ثورة إلى اقتتال أهلي وصراع إقليمي، يحمى النظام على الضد من رغبة السوريين المسحوقين، ويعيش اليمن فصلاً دراماتيكياً على الطريقة السورية، فالثورة التي أطاحت علي عبدالله صالح لم تصمد، أصبحت البلاد ساحة حرب وإقليمية.  

واقع ثورات الربيع العربي، اليوم، لا يقلل من مبدئية الثوار، ولا من عظمة الأهداف السامية لهذه الثورات، لكن هذا الواقع، ومع كل تعقيداته، يحتم علينا مقاربة الثورات، ليس من منظور تسطيحي في مدى نجاحها أو إخفاقها وإلقاء المسؤولية على التدخلات الإقليمية في حرف هذه الثورات عن مسارها، بل لا بد من فهم الخلل الذي أفضى إلى هذا الواقع، عبر تشريح الآليات السياسية والاجتماعية لقوى ثورات الربيع العربي التي- برأيي- تمثل سبباً رئيسياً من أسباب عجزها عن تحقيق أهدافها، وما أصاب مجتمعات الربيع العربي من انتكاسة سياسية.

منذ اندلاع ثورات الربيع العربي، في مطلع 2011، تجسد الفعل الثوري في حالةٍ عفويةٍ من نقاء حالم أراد إسقاط الأنظمة العربية، وتغيير الواقع المعيشي الذي كابدته الشعوب. ومثل مشهد محمد البوعزيزي، وهو يحرق نفسه احتجاجاً على وضع اقتصادي واجتماعي متردٍّ، تجسيدا لمسيح عربي، يكفر عن أخطاء شعوب صمتت عقوداً طويلة، وتحول “بوعزيزي” إلى أيقونة للشرائح الاجتماعية المسحوقة في مصر والبحرين واليمن وسورية وليبيا، ومحدثاً الشرارة التي فجرت ثورات الربيع العربي. إلا أن حالة النقاء الثوري التي مثلها البوعزيزي ما لبثت أن أزيحت لصالح منطق براغماتي ثوري صاعد وسم قوى الثورة، على اختلاف أيدولوجيتها ومشاريعها السياسية، وكرّست هذه البراغماتية واقعاً لا ثورياً، انحصر معه أداء هذه القوى في سياق وصولي، غايته الرئيسية التموضع وتحقيق استحقاق سياسي قادم، محولاً الثورة إلى أداة سياسيةٍ، وأهدافها إلى شعارات وذرائع للنيل من الخصوم.

براغماتية قوى ثورات الربيع العربي هو الخطأ الجوهري الذي وقعت فيه هذه القوى، وسبب

“واقع ثورات الربيع العربي، اليوم، لا يقلل من مبدئية الثوار، ولا من عظمة أهدافها السامية” إخفاقها فيما بعد، ويتمثل أخطر انحرافاتها في اعتمادها على آلياتٍ سياسيةٍ واجتماعيةٍ، لا تنسجم مع حالتها الثورية ضد فساد أنظمتها الحاكمة وقمعها، وليس فقط من أجل استبدال رموز هذه الأنظمة. باعتماد البراغماتية الثورية على آليات النظام القديم ومراكز قواه السياسية، عكست هذه الآليات، في مدلولها الرمزي والسياسي، تشوهات قوى الثورة التي لم تكن في أدائها سوى صدى للتشوهات العميقة للمجتمع العربي، والنظام المثار عليه والقوى السياسية الأخرى، بما فيها أحزاب المعارضة. ومن تمظهرات هذه الآليات تركيز جهود قوى الثورة على استقطاب القوى التقليدية، من العسكر ورجال دين ووجاهات قبلية واجتماعية، والاعتماد في ثورتها ضد الأنظمة على استقطاب هذه القوى، وتحويلها من صف النظام إلى صف الثورة، إلى حد استخدام أساليب النظام نفسها، سواء في تقديم إغراءات بالسلطة والمكاسب السياسية، أو في طريقة التحشيد للثورة، بل والدخول في تحالفاتٍ نفعيه مع هذه القوى التي ما لبثت، تالياً، أن شكلت قوام الثورة المضادة، برز هذا في تحالف ثوار 25 يناير في مصر مع الجيش الذي أزاح قوى الثورة بعد ذلك، وفي الحالتين، اليمنية والليبية.

كما لجأت قوى الثورة إلى آليات المعارضة في الحرص على التمثيل السياسي للثورات، ما جعل هذه الثورات تتحول من كونها خياراً وطنياً، يصب في مصلحة جمهور المواطنين إلى خيار فوقي للأقليات أو النخب والأحزاب السياسية، وأدى توظيف قوى الثورة تمثيلها السياسي إلى فرض تسويات سياسية مشوهة، كما في اليمن وسورية أخيراً، وحولت الثورة في هذه البلدان إلى صراع محموم بين أطراف سياسية متصارعة، لها امتداداتها الإقليمية، جاعلة من بلدانها ساحة للتنافس الإقليمي.

أما الخلل الآخر في أداء قوى الثورة فيتمثل في إعلائها من روح الجماعات، الدينية منها على اختلاف مذاهبها أو المناطقية والجهوية، على حساب الروح والمصلحة الوطنية، وإطلاق يد هذه الجماعات التي كانت حبيسة صراعاتها الماضوية وتناقضاتها، والسماح لها تالياً بتشكيل المشهد الثوري ومصادرته لصالحها. جاء ذلك بالتوازي مع عمل قوى الثورة على تغييب الأفراد وحجبهم، لصالح هذه الجماعات التي حاولت استثمار ثورات الربيع، لتثبيت وجودها، كما فعلت جماعة الإخوان المسلمين في مصر واليمن، وعندما شعرت هذه الجماعات أن التسويات السياسية لما بعد الثورات لم تحقق مكاسبها، عملت على تقويض المرحلة الانتقالية متحالفةً مع النظام المثار عليه، كما فعلت جماعة الحوثي في اليمن، وكما تفعل الجماعات المتطرفة المسلحة التي استغلت الفوضى، للسيطرة على بعض المناطق، وتحويلها إلى دول داخل الدولة.

إصلاح اختلالات ما بعد ثورات الربيع لا بد أن ينطلق من قراءة هذه الثورات وتشريحها كمسؤولية تاريخية لشعوب هذه الثورات، وألا تكون هذه القراءة وفقاً لفقه المؤامرات الخارجية والقوى الداخلية المتربصة بها، وإنما بتشريح بنية هذه الثورات واشتغالاته في سياق الظرف التاريخي، حيث سيجعلنا هذا الفهم قادرين على إدراك مآلاتها وتصحيح كبواتها، وليس التباكي على مصير الثورات، أو التنصل منها والارتداد عن أهدافها الوطنية النبيلة، واستبدالها بمشاريع ما دون وطنية.

لا يزال في الوسع إصلاح مسارات ثورات الربيع العربي، بإعادة إيجاد الجامع الوطني الرافض أشكال الاحتراب الأهلي والتدخلات الإقليمية، وإنتاج سلطة وطنية قادرة على كبح الصراع المذهبي السني/الشيعي. ولا شك في أن تصحيح مسارات ثورات الربيع العربي مشروع مكلف، ومحفوف بالمخاطر، في ظل تحديات تصاعد نمو الجماعات الدينية المتشددة، لكنه يظل المشروع الحقيقي لمعالجة مشكلات مجتمعات الربيع العربي، خصوصاً مع وجود نقاط انطلاق مشابهة للتي كانت في بداية ثورات الربيع العربي، حيث تشهد تونس، هذه الأيام، احتجاجات شعبية انطلقت من مدينة القصرين، بعد أن أحرق رضا اليحياوي نفسه احتجاجا على حرمانه من حقه في العمل والحياة الكريمة. كما تشهد مصر حالة احتقان سياسي كبير، جرّاء منع النظام العسكري القمعي المظاهرات وإصدار الأزهر فتوى تحرّم التظاهر، عَبَرَ عنه فعل فردي بصبغة سخرية مريرة قام به شادي أبو زيد، الشاب المصري الرافض مآلات الثورة، معبراً عن رفضه بفعل احتجاجي مغاير في وجه الدولة الأمنية، وليؤكد لنا شادي أن الثورات، ومهما بهتت بعد سنوات من انطلاقها، أو انحرفت عن مساراتها، إلا أنها أبداً لا تموت.