علاء بيومي

لقراءة المقال على الموقع الأصلي: اضغط هنا

مرّت الذكرى الخامسة لثورة يناير في مصر في أجواء تحمل بصيص أمل لأنصار الثورة، على الرغم من الظروف الصعبة التي تعاني منها مختلف القوى الثورية، واتفاق كثيرين على أن الثورة تعرّضت لانتكاسةٍ قويةٍ، وتحتاج فترة ليست قصيرة لاستعادة زخمها.

يتقدم أسباب التفاؤل الشعور بإفلاس النظام الحاكم، فالانقلاب دفع الدولة العميقة إلى السطح، فظهر تدريجياً تحالف المؤسسات الأمنية مع شبكة واسعة مع عملاء الأمن في قطاعات المال والإعلام ومؤسسات المجتمع المدني، وصعود هذا التحالف على السطح وانكشافه أمر إيجابي، في حد ذاته، لأن انكشاف هذا التحالف السري ضرورة لهزيمته، ولأن التحالف نفسه أثبت فشلاً واسعاً على مستويات مختلفة. فالدولة الأمنية التي تحكم الآن لا تمتلك مشروعاً سياسياً أو اقتصادياً يذكر، ولعل هذا يفسر لجوءها الهائل والمستمر للقمع، ومخاوفها المتزايدة من ذكرى الثورة، على الرغم من القمع الواسع.  

ومع اكتمال خارطة الطريق التي أعلنها الانقلاب العسكري في يوليو/تموز 2013، بانعقاد مجلس النواب في يناير/كانون الثاني الحالي، يبدو النظام الحاكم في وضع أسوأ وليس أفضل، فكلما تقدمت خارطة الطريق خطوةً إلى الأمام صعدت على السطح أكثر تحالفات الدولة العميقة المختلفة، حتى باتت مصدراً لسخط الناس وتندّرهم، لفرط تهافتها وفراغها من أي عمق سياسي.

السبب الثاني للتفاؤل تزايد شعور مختلف القوى السياسية وشبابها بأزماتها، وبضرورة البحث عن حلول خارج القيادات والأطر القديمة، وقد تبلور هذا الشعور، خلال العام الماضي، في صور مختلفة، في مقدمتها الانقسام الداخلي الذي تعرضت له جماعة الإخوان المسلمين، فمنذ الثورة بصفة عامة، والانقلاب العسكري بصفة خاصة، وقوى ثورية كثيرة تطالب “الإخوان” بأنهم أكثر الجماعات المعارضة تنظيماً، بتغيير مسارهم، والعودة إلى أهداف ثورة يناير، من دون صبغة أيدولوجية أو تنظيمية خاصة.

وقد رأت تلك الأصوات أن مسار “عودة الشرعية” والمواجهة الذي سارت فيه جماعة الإخوان وأنصارها في تحالف دعم الشرعية خاطئ، لن يقود الجماعة إلا إلى تعريض أتباعها لمزيد من القمع، من دون عائد سياسي يُذكر، لأنه لا يتم وفقاً لاستراتيجية حقيقية للثورة، وسبل استعادتها، فالثورة تحتاج قيادة واسعة وأفكار شاملة غير استقطابية، وتحتاج أيضاً لوعي جاد بالسياقين، المحلي والدولي، المناسبين، للمطالبة بإسقاط النظام.

وفي أواخر عام 2015، وصلت أزمة “الإخوان” إلى مداها، وظهر الانقسام واضحاً في صفوف قادتها أنفسهم، وبات الحديث عن أخطاء القيادة جزءاً من الجدل اليومي لكثيرين من أنصار الجماعة وأعضائها، خصوصاً من الشباب.

ولم يقتصر الشعور بخطأ المسار وغياب الاستراتيجية على “الإخوان” وأنصارهم، فقد أصبح

“انتشرت القناعة بتعرض قادة مختلف قوى ثورة يناير للخديعة على يد المؤسسات الأمنية التي قادت الثورة المضادة” نقد مختلف القيادات السياسية أمراً أسهل، وبات الشعور بفشل مختلف قيادات ثورة يناير، بما في ذلك قادة التيار المدني، مثل محمد البرادعي وحمدين صباحي، أكثر قبولاً وانتشاراً.

باختصار، انتشرت القناعة بتعرض قادة مختلف قوى ثورة يناير للخديعة على يد المؤسسات الأمنية التي قادت الثورة المضادة، وباتت فكرةً تخطي تلك القيادات أكثر رواجاً وانتشاراً، وقد يشهد عام الثورة السادس مساع طال انتظارها، لإعادة بناء التكتلات الشبابية التي قادت ثورة يناير، بعيداً عن القيادات والأفكار والتحالفات القديمة، ولو تمكّن الشباب من السير على هذا الطريق، فستكون تطوراً مهماً للثورة وأنصارها.

السبب الثالث والأخير أن الثورة لم تمت، سواء في مصر أو الإقليم، فالثورة التونسية فازت بجائزة نوبل، لقدرتها على بناء التوافق السياسي، ويطالب شباب تونس حالياً النخب السياسية بالتركيز على الاقتصاد والوظائف والبعد عن الصراعات الحزبية والأيدولوجية التي شغلتهم في سنوات الثورة الخمسة الأولى. وفي ليبيا، يسعى المجتمع الدولي إلى بناء حكومة توافق وطني، تضم مختلف القوى السياسية لتوحيد الدولة ومواجهة داعش، ولو نجحت هذه الجهود ستكون ضربة قوية لقوى الثورة المضادة في ليبيا والعالم العربي كذلك. وفي اليمن، قادت أطماع علي عبد الله صالح والثورة المضادة لمواجهة لم يتمنوها مع السعودية، بعدما تحالف صالح مع الحوثيين، حيث أعاد دعم السعودية نظام الرئيس عبد ربه منصور هادي الاعتبار لقوى الثورة اليمنية. ولم تتمكّن قوى الثورة المضادة من هزيمة الثورة السورية، بعد أن حولت سورية لساحة معركة دولية بالوكالة، وعلى الرغم من وحشية آلة القتل السورية والروسية والطائفية في سورية، لم تتمكن من حسم المعركة لصالحها، ولا يبدو أنها ستتمكن.

كل هذه التطورات، ولو أضفنا إليها تزايد الشعور بفشل النظام الحاكم في مصر، وضعت حدوداً للثورة المضادة، وبشرت بانحسارها تدريجياً، خصوصاً لو اعتبرنا أن الثورة عملية تحول مجتمعي ضخمة، تحتاج سنوات وربما عقوداً، لتؤتي أكلها، لأنها تتطلب تغييراً واسعاً في المجتمع نفسه وقيمه، ونظرته لنفسه ولنظامه الحاكم.

وقبيل الذكرى الخامسة، أخبر مسؤول أمني مصري وكالة أسوشيتد برس أن السلطات داهمت في القاهرة وحدها خمسة آلاف منزل، بحثاً عن ناشطين، خوفاً من مشاركتهم في ثورة يناير، وهذا يعني أن هناك آلاف الناشطين عبر المحافظات المصرية المتمسكين بالثورة والمحافظين على شعلتها، على الرغم من القمع الهائل.

ومع انتشار الشعور بإفلاس النظام، وعودة الشباب إلى تنظيم صفوفهم، ولو من خلال شبكات مرنة ومتنوعة، وتزايد سخط الناس على وضع البلاد الاقتصادي والسياسي، قد تعود الحياة تدريجياً إلى أوصال ميادين الثورة المصرية في عامها السادس.