علينا أن نعترف أن إيران انتصرت في معاركها (Getty)

محمد أبو رمان

لقراءة المقال على الموقع الأصلي: اضغط هنا

ما طغى على صورة إيران في المنطقة العربية، على الأقل لدى الأغلبية، وفق استطلاعات الرأي العام، هو البشع، من التدخلات السافرة في العراق وسورية، عبر فيلق القدس، وحزب الله، والروح الطائفية التي يتم توظيفها بما يخدم السياسة الخارجية للدولة.

وربما تبدو إيران، على المدى المنظور، من أكثر الأطراف الرابحة والمنتصرة في المنطقة، وهنالك تحولات جوهرية في المواقف الدولية والغربية تجاهها، في الفترة الأخيرة، وشكّل توقيع الاتفاق النووي بينها وبين الولايات المتحدة الأميركية مفتاحاً ذهبياً لقادتها، أو اعترافاً دولياً بها قوة إقليمية أساسية في المنطقة، إن لم يكن القوة الإقليمية الأولى. هذا صحيح. لكن، قد يكون الرهان الإيراني على المدى البعيد خاطئ في الاعتماد على “الورقة الطائفية”، إذ إنّه يجر إيران والشيعة العرب الذين سحبتهم إليها، إلى مواجهات إقليمية ومحلية، لها أول وليس لها آخر، ولا يوجد رابح حقيقي من ورائها!  

مع ذلك، من الضروري أن ننظر، نحن العرب، إلى “الوجه الآخر” لإيران، وأن نعترف أمام أنفسنا بحقيقة ناصعة البياض، هي أنّها كسبت وانتصرت في معاركها الدولية والإقليمية، واستطاعت أن تجبر العالم بأسره أن يعترف بها، وأن يقبل التعامل معها طرفاً قوياً مفاوضاً، ووضعت الروس في صفّها، ليشكلا معاً محوراً إقليمياً، يملك التأثير الأكبر، على الأقل في اللحظة الراهنة، على ملفات المنطقة الأساسية، أو بعبارةٍ أدق على تقرير مصير الإقليم وميزان القوى فيه.

هذا وذاك يدفعنا إلى السؤال الأكثر أهمية: لماذا نجحت إيران في تكسير كل الحواجز، والتحول إلى قوةٍ إقليمية، بينما فشلنا، نحن العرب، فشلاً ذريعاً، ونسير من سيئ إلى أسوأ؟

ذلك هو الوجه الآخر لإيران الذي من المفترض أن ننظر إليه بموضوعية، بعيداً عن الشعور بالألم المرتبط بالتدخل الاستفزازي الخاطئ لها في الدول العربية المختلفة، والهدف هو التعلّم من أخطائنا، والمقارنة الموضوعية بين موازين القوى وصناعة القوة وإدارة الدول وغيرها من ملفاتٍ، ننساها في غمرة الصراع مع طهران.

بالطبع، هنالك مشكلات كبيرة وعديدة في إيران، فهي ليست دولةً نموذجيةً تماماً، ولا ديمقراطيةً، بالمعنى المعروف والمتداول تماماً، لكنّها مع ذلك تبقى دولة مؤسسات حقيقية راسخة، تملك كلّ منها نفوذاً ومساحة اختصاص، ولها كلمتها في إدارة الشؤون الخارجية والداخلية على السواء، ما يخلق “توازن سلطات” من نوع آخر، بين المؤسسات الدستورية والسياسية المعلنة ومؤسسات الظل النافدة.

صحيح أنّ مرشد الثورة صاحب الكلمة العليا، وهناك دور غير معلن لكنه عميق للحرس الثوري الإيراني، لكنّ هنالك أيضاً دوراً لرئيس الجمهورية والبرلمان والمؤسسات المختلفة، وتسويات سياسية تعقد في النظر إلى إدارة الشأن العام. وعلى الرغم من الصراع المرير والقيود على الإعلام وحقوق الإنسان، إلاّ أنّ ثمة تيارات متصارعة وانتخابات تعقد وتداول سلطة، وإدارة سلمية بدرجة نسبية كبيرة للصراع الداخلي. وفوق ذلك كله، وهو الأكثر أهمية، النخب والقوى والتيارات والمؤسسات تعمل جميعاً لهدف محدد واضح واحد، هو “المصلحة القومية الإيرانية”، فهي تعلو فوق أي كلمة أو اعتبار آخر.

هل ثمّة داعٍ لتكملة الفقرة والمقارنة بينها وبين الأنظمة العربية؛ نحن دول أشخاص، نرجسيون، لهم مصالحهم الخاصة، حساباتهم الشخصية، سلطة الفرد، بلا رقيب أو حسيب، ومؤسسات تتبخّر عند الأزمات، وموازنات لا يعرف إلاّ الله وقلّة قليلة كيف تعدّ وتصرف!

كلمة السرّ الأخرى هي الاستقلالية، فإيران دولة قرارها يقع في أروقة المؤسسات الرسمية والسيادية، لا تعتمد على أي دولة أخرى في رسم سياساتها، أو اتخاذ قراراتها. لذلك، يحترمها العالم، مع اختلافه معها. أما نحن، فالسفارات الغربية تعرف قرارات وأسراراً في دولٍ عديدة، قبل أن تعرف بها حكوماتها ورجال الدولة فيها، وفي القرار الخارجي لا مجال للمقارنة بين دولةٍ ترسم السياسات على المدى البعيد، وفق التنظير الاستراتيجي ودول تضع سياساتها الخارجية وفق تقديرات أفراد، وربما نزواتهم وعقولهم القاصرة في تعريف أمنهم القومي ومصالحهم الاستراتيجية.

هذا ليس جلداً للذات، مع أننا نستحق أكثر من ذلك. لكن، فقط قارنوا كيف تعاملت طهران مع موضوع البحارة الأميركيين، الذين اعتقلتهم وصورتهم، ثم أطلقت سراحهم، وتخيلوا لو أنّ دولة عربية حدث فيها ذلك؟