تدخل النسمة الباردة ذات صباح يبدو كغيره لكنه في الحقيقة صباح ينذر بتغيير الفصول. تدخل مع أول أشعة للشمس من الشباك المفتوح، على استحياء، تعلم أنها سوف تمر سريعا فوق من ينامون في الغرفة وترسل دغدغات يشعرون بها في أقدامهم وأكتافهم فيشدون الغطاء عليهم. سوف تلف النسمة في سقف الغرفة كالزوبعة قبل أن تختفي، لكن ذلك كفيل بإيقاظ من لفت حولهم.
***
هي النسمة التي تعلن عن ارتداء القميص الداخلي (الفانيلا) تحت الثياب، هي النسمة التي تطول معها الأكمام وتنغلق الأحذية، هي نسمة لن تعاود الظهور خلال اليوم وسوف ينساها الجميع حين تسطع الشمس، حتى قد يهيأ لمن كان نائما في الغرفة أنه حلم بطفولته وبأيام المدرسة وتعود إليه أسماء أصدقاء لم يلقاهم منذ زمن طويل. غير أنه لم يحلم بها إنما داعبته نسمة خريفية لثوان سريعة فرضت على جسده قشعريرة فرفع الغطاء وارتدى القميص الداخلي تحت الثياب.
***
الخريف أكثر الفصول شجنا وقدرة على استحضار أطفال كبروا وأمهات تجعدت وجوههن، هو أكثر فصل قدرة على خلق حنين إلى حارات منمنمة تلمع أرصفة شوارعها بعد أول مطر. الحارة خالية والسكان في البيوت يعدون الشاي على مدفئة صوبيا لها منفذ دخان معدني يصل إلى سقف الغرفة ويخرج الدخان إلى الشارع. دقائق وستمسك أصابعهم بأكواب الشاي الذي سيسري في داخلهم كمادة مخدرة. في الحقيقة إن الدفء مادة مخدرة في يوم بارد.
***
لا أعرف لماذا تسمية المراحل المتقدمة في السن ب "خريف العمر"، حتى وإن تساقطت أوراق الأشجار في الخريف. الخريف هو لعب الأطفال في الحارة بعد المطر، والقفز على مساحات تحت الرصيف تجمعت فيها المياه. الخريف هو أيام الدراسة ورائحة الجبنة حين تذوب داخل رغيف الخبز وقت العشاء. الخريف هو رائحة القرفة لسبب مجهول أو ربما تدخل القرفة في صنع أنواع من الحلويات تختفي في الصيف وتعود فتظهر مع المطر.
***
لا أعرف متى تحديدا بدأت مسألة التقدم بالعمر تشغل حيزا كبيرا من تفكيري. لا أظنها مرتبطة بحدث بعينه أو بموقف وضعني على طريق غطت أوراق الشجر المصفرة أطرافه. كل ما أعرفه هو أنني صرت أكثر التقاطا لعلامات من حولي تشير إلى مضي الزمن. ليست الآثار الواضحة للعين فحسب، كخطوط ترتسم على وجهي أو تباطؤ يكاد ألا يظهر على أمي، أو أنني صرت أحرك هاتفي قليلا حين أنظر إليه في إشارة أنني قد أحتاج قريبا إلى نظارة، وهو ما أحاول تجاهله حتى الساعة.
***
بصراحة ما يشغلني هو محاولة أن أحدد ما علي القيام به اليوم حتى أقي نفسي من الوحدة فيما بعد، مع تذكير زوجي المتكرر لي أنه ليس من المنطقي أن أخطط لشيخوختي وأنا معتمدة على تواجد أولادي، وربما أولادهم من حولي. منذ أيام شرحت لأطفالي مفهوم العائلة الممتدة وعرضت عليهم صور لبيوت دمشقية قديمة، بحديقتها الداخلية وغرفها الكثيرة. أستغرب الأطفال كثيرا إمكانية أن يعيش الجد والجدة ومعهم جيلين من الأولاد والأحفاد في بيت واحد، وضحكوا لقصص حكيتها لهم عن تسلط الجدة صاحبة البيت وتحكمها بالجميع، خصوصا بزوجات أولادها الذكور. لم ير أولادي الموضوع من زاوية الجد والجدة المتقدمين في السن والذين ربما يسعيان لمد قدرتهما على السيطرة لسنوات قليلة إضافية، ربما خوفا منهما، كما هو حالي اليوم، من الانزواء في ركن لا تصله الشمس بينما ينشغل الجيل الذي يليهم بحياة لا تشملهم، أي الأكبر سنا، سوى في المناسبات وأحيانا للمشورة.
***
أسرت لي صديقة أخيرا أنها أعادت اكتشاف حس الفكاهة عند والدها وخفة دمه أثناء ملازمتها إياه في مرضه. في السنوات الأخيرة وقبل مرضه لم تمض صديقتي وقتا كافيا معه بهدف أن تستمتع بحضوره، فقد كانت كما أنا وكما الكثيرين ممن هم في عمري الآن، مشغولة بحياتها وتلتقي بوالديها وعائلتها في مناسبات حتى لو كانت متقاربة إنما هي مناسبات أغلبها جماعي وكثيرا ما يخيم عليها مواضيع إما سياسية أو اجتماعية.
***
الجميع يحذر من مرور السنوات بينما نحاول السيطرة على الأيام، كل من يكبرني يردد على مسامعي الكلام ذاته حول رحيل من أحبوا قبل أن يعيدوا اكتشافهم وبعد أن فرقتهم المشاغل اليومية. في كل خريف أتساءل إن كانت الأوراق التي سقطت هي تذكار لأشخاص ذهبوا فأتفادى أن أمشي عليها، محاولة بدل ذلك أن أهمس لها أن هناك من يشتاق إليها. ليس للعمر خريف، أو هكذا أقنع نفسي حين يجتاحني حنين قبل أوانه لأحباء قد لا أجدهم قربي في المستقبل، فتراني أحزن سلفا على شخص سيموت، وأبكي وحدي رحيل شخص لم يذهب بعد.
***
ها هي تلك النسمة اللئيمة تفتح في القلب خرما تتدفق منه أحاسيس مدفونة وخوف من رحيل من أحب، نسمة تمر فوقي فجر يوم خريفي فأمضي ساعاته أتساءل إن كنت قد حلمت بوجوه لا أتذكرها أصلا. أشد الغطاء، أشم رائحة الأرض، أسمع تنفس زوجي وأشعر بحركة أولادي من غرفة أخرى، ثم تنادي أمي على الجميع داعية إيانا أن نتناول وجبة الإفطار منذ ثلاثين سنة مضت. هي تلك النسمة اللئيمة التي تخلط حيوات ببعضها وتنذر بقدوم الخريف.