نسف الإعلام الغربي، وخصوصا الأميركي، كليا أسطورة ولي عهد السعودية، محمد بن سلمان، التي عمل الرئيس دونالد ترامب وصهره جاريد كوشنر على ترويجها، وتم فضح بضاعته التي حاول أن يخدع بها العالم والسعوديين بمشاريع الترفيه الخلّبية، وتقديم نفسه أميرا إصلاحيا.

سواء انتهت قضية جمال خاشقجي بمعاقبة ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، أم لا، فإنه كان لها مفعول الهزّة التي ضربت السعودية، هذا البلد العصي على التغيير. وبات واضحا أن الوضع في السعودية لم يعد كما كان عليه في السابق. وعلى الرغم من أن فصول القضية لا تزال تتوالى، فإنها وجّهت ضربةً كبيرة لنظام العائلة السعودية، والقائم، تاريخيا، على استئثار أسرة واحدة بمقدّرات دولة، تعد من من بين أغنى دول العالم وأكبرها مساحة، ولها مكانة دينية رمزية، كونها مهد الديانة الإسلامية.
وأول ما كشفت عنه عملية خاشقجي هو حقيقة الحكم في السعودية، القائم على نظام مغلق على نفسه، يُدار بطريقة عتيقة، وبعيد كل البعد عن نظام الدولة الحديثة، لجهة مؤسسات الحكم في السياسة والاقتصاد والقضاء. وتبين للعالم أن السعودية يديرها اليوم ولي العهد الذي جاءت قضية خاشقجي لتسلط الضوء على شخصه من النواحي كافة. ومما اهتم به الإعلام العالمي سلوك الإخفاء القسري والاختطاف الذي درج بقوة خلال حكم الملك سلمان وولي عهده، وركّز الإعلام على اختطاف أمراء وناشطين، مثل الأمير بندر بن عبدلله ولجين الهذلول التي تم استدراجها من الأردن إلى أبوظبي، ومن ثم اختطافها إلى السعودية.
ونسف الإعلام الغربي، وخصوصا الأميركي، كليا أسطورة محمد بن سلمان التي عمل الرئيس دونالد ترامب وصهره جاريد كوشنر على صناعتها وترويجها، وتم فضح بضاعته التي حاول أن يخدع بها العالم والسعوديين عبر مشاريع الترفيه الخلّبية، وتقديم نفسه أميرا إصلاحيا، سيقود المملكة إلى زمن جديد، ويطلق ورشة تحديثٍ كبيرة من خلال رؤية 2030. ولكن تبين على أثر الجريمة التي نفذها فريق من حاشيته أنه لا صلة لما يعد به بالانفتاح والتعدّدية وفسح المجال للتعبير عن الرأي، بل إن السعودية ينتظرها أن تعيش سنوات حكم طويلة تصل إلى نصف قرن بقيادة ملكٍ ضحل التعليم والخبرة والثقافة. مستهتر ومتسلط ومستبد، وكل ما يقوم به لتمهيد طريق العرش عملية تزيين، سوف تنتهي بإغراق السعودية في بحر حياة استهلاكية. أما ما يتعدى ذلك نحو الجوهر فسوف يقع في المحظورات والمحرّمات التي تقود إلى السجن في أبسط الأحوال.
وفضحت الجريمة السعودية، وأظهرتها أمام منظمات حقوق الإنسان على حقيقتها العارية، دولة بلا أنظمة أو قوانين وقضاء على حد بيان صدر عن “هيومان رايتس ووتش” التي قالت إن العملية أظهرت افتقار السعودية إلى التحقيقات والمحاسبة الموثوقة. ويمكن تفسير ذلك على نحو صارخ بقرار الرياض تحميل مسؤولية الجريمة للمسؤول في المخابرات، اللواء أحمد عسيري، ومدير الديوان الملكي سعود القحطاني، لكن العقوبة اقتصرت على إعفاء من المهام فقط. وهذا أمر أثار صدمة كبيرة في أوساط الرأي العام العالمي، فعقوبة جريمةٍ على هذا القدر من البشاعة التسريح من العمل بلا محاكمة أو جزاء. وفي الوقت نفسه، رفضت الرياض تسليم الضالعين بالجريمة، كي يحاكموا في البلد الذي تم ارتكاب الجريمة على أرضه.
وأظهرت الجريمة أن مصالح الولايات المتحدة مع السعودية فوق أي اعتبار، وهذا ينسحب على المواقف الأوروبية التي لم تميز نفسها عن الموقف الأميركي، حيث اعتبر الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، أن لصفقات السلاح أولوية على حقوق الإنسان في السعودية. والجديد هو حرص رئيس وزراء إسرائيل، بنيامين نتنياهو، على عدم محاسبة بن سلمان.
وعكست الجريمة قوة الإعلام، ولذا يجب أن نعمل، نحن الإعلاميين، من أجل بناء تضامن إعلامي، يقوم على احترام حرية الصحافة وحماية الصحافيين، ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات، مهما كانت صفاتهم.