لا شك ان للجغرافيا السياسية تأثيرًا مباشرًا على لبنان، شهدنا ذلك عبر الدور الذي كانت تضطلع به سوريا، والتي «استحوذت» على لبنان بكافة مؤسساته وإداراته على مدى ثلاثين عامًا، وسهلت ظهور أشخاص «نكرة» يعملون لصالحها، جعلت منهم نوابًا ووزراء ومسؤولين وإعلاميين، ضمن أجندة سياسية واضحة المعالم، عنوانها العريض: تصويب السهام ضد كل من لا يسلم إرادته إلى السوريين بغض النظر عن الطائفة التي ينتمي إليها.

سوريا التي لعبت دورًا كبيرًا في تحجيم دور أهل السنة في لبنان عبر نظام الرئيس الراحل حافظ الأسد وابنه بشار من بعده، لاعتبارات دينية وسياسية، قبل وبعد استشهاد الرئيس رفيق الحريري، أوجدت لها داخل البيئة السنية حالات سياسية تؤيدها وتأتمر بإمرتها وتحج إليها عندما تقتضي الضرورة ذلك، وأصبحت العلاقة بينها وبين هذه الحالات علاقة «تبعية عمياء»، لا علاقة الند بالند، الأمر الذي انعكس سلبًا على الداخل اللبناني، بحيث بات هؤلاء يوظفون من قبل النظام السوري لتنفيذ أجندته وللتصويب على خصمه السني الأول في لبنان رئيس الحكومة سعد الحريري.

وفي ظل ما جرى في سوريا من أحداث واضطرار الأسد إلى الاستعانة بتنظيم حزب الله وبعض المليشيات العراقية والأفغانية والإيرانية، وبعد سلسلة الانتصارات التي حققها الحزب في أكثر من منطقة سورية وسيطرته عليها، وإمساكه بالأرض السورية وبالقرار العسكري أكثر من النظام صاحب الأرض نفسه، بات حزب الله اللاعب الأول على الساحتين اللبنانية والسورية معًا، وصار أغلب المنتمين إلى محور المقاومة على ارتباط مباشر مع الحزب الذي يوزع المهمات عليهم ويؤمن لهم كل ما يحتاجونه من مال وسلاح ودعم سياسي ومعنوي ووظيفي، ومن بين هؤلاء بطبيعة الحال نواب سنة انتخبوا مؤخرًا في المجلس النيابي اللبناني، ويطالب لهم الحزب اليوم بمقعد وزاري في الحكومة العتيدة.

يسيّر الحزب هؤلاء كما يريد، يستقبلهم مساعد الأمين العام الحاج حسين خليل، ويقول بعد اللقاء «لا حكومة من دون توزيرهم»، ويصرحون هم من منبره «حزب الله ملتزم معنا وهو حليفنا ولن يتخلى عنا»، ثم بعد ذلك يزورون رئيس مجلس النواب نبيه بري ليؤيد مطلب الحزب لهم بحقيبة وزراية، وهو الذي تشير المصادر المتابعة إلى أن له رأيًا مخالفًا لرأي حزب الله في توزير هؤلاء، وهو الذي ضحىّ بحصته الوزارية عند تشكيل حكومة الرئيس نجيب ميقاتي الثانية ومنح أحد هؤلاء النواب لقب أصحاب المعالي على حساب حصته الشيعية، بحيث أصبح عدد السنة في الحكومة المذكورة أكثر من عدد الوزراء الشيعة، في ما اعتبر سابقة في التوازن الوزاري وتشكيل الحكومات.

واللافت أن هؤلاء النواب الستة: فيصل كرامي، عبد الرحيم مراد، عدنان طرابلسي، قاسم هاشم، جهاد الصمد، الوليد سكرية، أربعة منهم ينتمون الى كتل نيابية سمت الرئيس الحريري لتأليف الحكومة، ونالت حصتها الوزارية، في ما بقي اثنان فقط من بين هؤلاء حينما سميا الرئيس الحريري كانا منفردين: عدنان طرابلسي، وعبد الرحيم مراد. مما يشير إلى أن الحزب احتفظ بهذه الورقة لاستخدامها في الربع ساعة الأخيرة من التشكيل في محاولة منه للضغط على الرئيس الحريري الذي يستعجل التأليف لأسباب مرتبطة بالوضع الاقتصادي الذي يعيشه لبنان، وللبدء بتنفيذ مقررات مؤتمر «سيدر» الذي رأى فيه كثير من المتابعين أنه الفرصة الأخيرة للبنان، حتى يقف على قدميه اقتصاديًا وإلا فإنه ذاهب نحو الإفلاس وانهيار العملة.

لا يرفض الرئيس الحريري توزير أي من هؤلاء لكن ليس من حصته بطبيعة الحال، وإنما من حصة من ينادي بتمثيلهم، وهم لم يحصدوا في الانتخابات الأخيرة أكثر من 8% من تأييد الناخبين السنة لهم، وعلى الأرجح فإن الحزب لن يوزرهم من حصته وهو الطامح لدور وزاري فعال من خلال وزارة الصحة التي تعتبر ثالث أهم وزارة لبنانية من ناحية الموازنة المرصودة لها، وهو يناور عبرهم في محاولة منه لفتح نافذة في العلاقة بين إيران وأمريكا التي ستقرر في الرابع من هذا الشهر عقوبات اقتصادية جديدة على طهران، ويستخدهم لتأخير التشكيل لحين حدوث ترتيبات معينة على مستوى المنطقة، في عودة إلى لعنة الجغرافيا السياسية التي تحكم لبنان. ولكسر الحريري سنيًا ووطنيًا، على الرغم من تشديد الحزب على ألا بديل عنه لتأليف الحكومة، وهو الذي يتعاطى مع التشكيل بكثير من الصبر والحكمة ويلعب دور «أم الصبي» الملام عليه من قبل المقربين منه، وجمهوره، لأنه يغرف من حصته دون أي مقابل.

هكذا يلعب بعض نواب السنة في لبنان دور «الكومبارس» لصالح حزب ولاية الفقيه، مع علمهم أن مطلبهم لن يصرف وزاريًا، وهم الذين قبلوا أن يكونوا أداة في يد حزب الله، الذي يظهر بصورة الضنين على حقوق هؤلاء السنة، وهو الذي انتهك حرمات أهل السنة في بيروت والبقاع وطرابلس، وسوريا والعراق.

سنة لبنان يمرون في أصعب الظروف والمحن بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، ممثلهم الأول ابنه سعد، تقلصت كتلته النيابية بفعل قانون انتخابي مسخ أقره حزب الله بالتوافق مع الكتل التي تخاصم الحريري، وارتضى به الاخير، وهو وحده الذي يقدم قرابين فداء من مكانته وحصته وشعبيته، في سبيل ان يبقى لبنان بمنأى عن تداعيات الالتهابات المتناثرة على حدوده، ورغم كل ذلك كل الكتل السياسية في لبنان تحاول ان تأكل من صحنه، وتحجم دوره وشعبيته، فهل ينتفض الحريري ويقلب الطاولة على الجميع؟ ام انه يستلهم صورة والده فيدور المزيد من الزوايا ليبقى الاستقرار سيد الموقف؟