ليس اتهامًا للفقه السياسي الإسلامي بقدر ما هو  وصف لحاله خلال عدة قرون، ربما لأن البيئة السياسية لم تكن مواتية لتطور الفقه السياسي بعد تحول الخلافة الراشدة لملك عضود وبعد ذيوع فقه التغلب والجبر كأمر واقع.

فإذا تغيرت البيئة السياسية الإسلامية وابتعدت عن فقه التغلب والجبر فإن  هذا الفقه سيتطور سريعًا.

فالفقه السياسي يتأثر بالبيئة السياسية والثقافة السياسية القائمة ويؤثر فيها، وهذا التأثير المتبادل بين البيئة السياسية والثقافة السياسية وبين الفقه السياسي هو الذي يؤدي لتطورهما معًا، ولكن لا يمكن بالقطع للفقه السياسي أن يتطور وأن يبدع في ظل ملك عضود واستبداد سياسي. رغم أن الدولة الإسلامية في عهد الخلافة الراشدة عرفت الحقوق  والحريات السياسية وكفلتها قبل الغرب بقرون طويلة.

 لماذا لم يتطور الفقه والفكر السياسي الإسلامي رغم تقدم الفقه الإسلامي في العبادات والمعاملات؟

ذلك أن التجربة الحقيقية للفكر والفقه السياسي الإسلامي لم توضع موضع التنفيذ إلا في عهد الخلافة الراشدة وهي فترة وجيزة قي عمر الزمان من 11 إلى 41 هجرية.

وفي تلك الفترة القصيرة كان اختيار ولي الأمر لا يتم إلا بموافقة الأمة ومبايعتها لمن يتم إختياره. ولفظ البيعة مشتق من البيع ولا بد للبيع من بائع ومشترٍ ولابد للبيعة من مبايِع ومبايَع.

وكما أن للبيع ثمن وشروط يتفق عليها المتبايعان فإن للبيعة موضوع هو ولاية الأمر وشروط ضرورية وشروط إضافية تتضمن حقوق الأمة وحقوق ولي الأمر وقد ذكرها الله عز وجل في آيتين متتاليتين، يقول تعالى في سورة النساء: «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ۚ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (58) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (59)». في الآية الأولى أمر الولاة بأداء الأمانات وهي شاملة تشمل حفظ كافة حقوق الأمة من حفظ الأموال والأمن والدفاع عن الدولة والحكم بالعدل والمساواة وتشمل الأمانة أيضًا كل شرط تعاقد عليه المتبايعون. فإذا التزم الولاة بذلك كان لهم حق الطاعة وهذا الحق ليس مطلقًا بل هو محدود أيضًا بحدود الشرع كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: إنما الطاعة في المعروف. وكما قال أيضًا: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

وبالطبع يمكن تسمية هذه الشروط بالشروط الضرورية التي لا يجوز مخالفتها أو الاتفاق على خلافها.

ثم من حق الأمة وولي الأمر المرشح الاتفاق على شروط أخرى إضافية مثل مدى سلطات ولي الأمر ومدة ولايته واختيار عماله ووزرائه ومساعديه كيفية الحكم وكيفية حل الخلافات التي قد تنشأ بين الأمة وولي الأمر (وهذا ما نسميه اليوم بالدساتير) فإذا تم الاتفاق على شروط محددة وجب على ولي الأمر الالتزام بها إلى نهاية ولايته.

ولذلك حين تم اختيار أبي بكر لم يكن ذلك بنص من النبي صلى الله عليه –في الأغلب– وإنما نتيجة حوار في سقيفة بني ساعدة نتج عنه ترشيح أبي بكر رضي الله عنه لخلافة رسول الله ولكن أبا بكر لم يصر خليفة للمسلمين إلا ببيعة المسلمين له في اليوم التالي بيعة عامة في المسجد ورضاهم به.

كما أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لم يصر خليفة للمسلمين كما يظن البعض بعهد أبي بكر له من بعده، وإنما كان عهد أبي بكر لعمر هو تزكية له وترشيح ولم يصر عمر رضي الله عنه خليفة بعهد أبي بكر وإنما صار خليفة برضى المسلمين بهذا العهد ومبايعتهم له بيعة عامة.

وكذا الأمر بعد مقتل عمر رضي الله عنه فإنه أوصى قبل موته بأن تكون الخلافة في واحد من ستة توفي النبي صلى الله عليه وسلم وهو راض عنهم وهم من العشرة المبشرين بالجنة والسابقين الأوائل في الإسلام وبعد مناقشات وعملية استطلاع رأي شاملة للمسلمين في المدينة قام بها عبدالرحمن بن عوف توافق المسلمون على بيعة عثمان رضي الله عنه فبايعه الخمسة المرشحون وبايعته الأمة.

وبعد مقتل عثمان رضي الله عنه ذهب الناس لعلي رضي الله عنه لمبايعته في منزله ولكنه أبى إلا أن يكون ذلك في المسجد لتكون بيعة عامة.

ومن يقرأ في تاريخ الخلافة الراشدة يجدها خلافة اختيار لا خلافة جبر واستيلاء وتغلب ويجد فيها الأمة تسائل الخليفة علنًا في المسجد من أين لك هذا ولم فعلت هذا ولا يجد الخليفة غضاضة في الرد عليهم وبيان موقفه وإقناعهم.

ثم جاء بعد الخلافة الراشدة الملك العضود وأصبحت البيعة شكلية وقسرية ومع ذلك لم يجرؤ خليفة من الخلفاء في كافة العصور على ترك البيعة وإنما فقط صارت بيعة شكلية لا تعبر عن إرادة الأمة وتم تفريغها من مضمونها.

ولأن فترة الخلافة الراشدة كانت ثلاثين عامًا فقط في حين امتد الملك العضود لعشرات القرون فإن ما يسمى بالفقه السياسي في تلك الفترات كان يؤصل للواقع كما هو كائن بالفعل لا كما يجب أن يكون.

كما أن الاستبداد السياسي والتغلب والقسر كان يمنع الفقهاء من التعرض لقضايا الفقه السياسي خوفًا من المصادمة مع حكام لا يرحمون وكان مجرد تعرض كبار الفقهاء لبعض القضايا السياسية سببًا في التنكيل بهم وتعذيبهم والزج بهم في السجون وربما قتلهم وقد حدث ذلك مع الأئمة مالك وأبي حنيفة وأحمد وسبقهم من أئمة التابعين سعيد بن جبير وسعيد بن المسيب.

ولهذا كان معظم من كتب في الفقه السياسي أقرب لتأصيل الواقع. وانشغل الفقهاء بقضايا العبادات والمعاملات عن القضايا السياسة الشائكة. وقل إنتاجهم في هذا المجال.

و اليوم المسلمون أحوج لمناقشة قضايا الفقه السياسي بما يتفق مع ثوابت الدين من جهة ومع التطور الحادث في المجتمعات والنظم السياسية المعاصرة واحتكاكنا مع غيرنا من الأمم التي تأخذ بأساليب مختلفة من الديمقراطية.