غسّان رباح

 

 

يظهر، يوماً بعد يوم، أن حركة 14 آذار في لبنان بدأت بالتراجع في مستوى وعي حقيقة الشؤون المهمة التي غالباً ما تفاجئها، عند طرحها على الرأي العام، المحلي والدولي معاً. ويبدو أن السبب عائد إلى حاجتها التقنية إلى أمانة عامة دائمة العمل، للسهر على مسار الأمور بمختلف وجوهها، حتى كدنا ننسى من هو الأمين العام للحركة حالياً.
من ذلك، مثلا، التصريحات المتسرعة الصادرة عن بعض أركان الحركة بشأن القرار الذي اتخذته، أخيراً، محكمة التمييز العسكرية، لجهة تخلية سبيل المتهم ميشال سماحة مقابل كفالة مالية، فمع تأييدنا السياسي للموقف المتخذ بوجوب إصدار القرار الأشد والأقسى بحق المتهم غير المدان نهائياً بعد، العميل ميشال سماحة، ومع تأكيد جعل صلاحية المحكمة العسكرية محصورة بالقضايا العسكرية، والمثارة بسبب مخالفات يرتكبها أفراد الجيش في أثناء عملهم العسكري، أو بسببه، دون غيرها من المخالفات المتعلقة بالأمور المدنية. مع ذلك كله، صحيح أنه لا يجوز إدخال النزاعات المدنية لمجرد أن أحد فرقائها عسكري، كما إذا اختلف المؤجر (العسكري) مع المستأجر (المدني)، وحصل تضارب بينهما. وبالتالي، إحالة الخلاف، لمجرد كون الضارب أو المضروب عسكرياً، لكن الصحيح أيضاً أن إلغاء المحكمة العسكرية نهائياً ليس الحل المناسب، لأن من شأن إحالة الخلافات العسكرية أمام المحاكم المدنية المساس بمعنويات عناصر المؤسسة، وتراجع هيبتها، وضرب العزة التي سيشعر بها أفراد هذه المؤسسة بين باقي شرائح المجتمع، على اختلاف فئاتها.
إلى ذلك، الاستنسابية في إخلاءات السبيل من عدمها أمر يعود لتقدير القاضي الجزائي ذي الصلاحية، وليس من المنطقي بشيء معرفة مدى تلك الاستنسابية من عدمها. وقد حصل سابقاً، وأخلي سبيل قاتل الضابط الطيار سامر حنا بكفالة، ولبث الأخير، وإن اختفى بحجة مصرعه في أثناء القتال في صفوف حزب الله خارج الحدود اللبنانية، وقيل إنه لا يزال حياً يُرزق. ونورد، هنا، الملاحظات الآتية:
أولاً: المسارعة إلى طلب تحويل قضية ميشال سماحة أمام المجلس العدلي، بواسطة مجلس الوزراء، غير صحيح على الإطلاق، لأن هذه القضية لا تزال عالقة أمام المحكمة العسكرية، وقد أصبحت بحكم القضية المقضية. ويستدعي الأمر تعديلاً تشريعياً من المجلس النيابي، سيجعل من المجلس العدلي الجهة الصالحة، بدلاً من المحكمة العسكرية، ومع مفعول رجعي.
ثانياً: أن يتباكى أحد أركان حركة 14 آذار (رئيس لجنة الإدارة والعدل) على إحالة سماحة بمادة حجته نقل السلاح، بدلاً من جناية محاولة إيقاع الفتنة في البلاد، أمر غير مقبول اليوم، وقد كان بالإمكان مراجعة النيابة العامة العسكرية للقيام بذلك. وكان الأمر ممكناً، إذ إن قلم النيابات العامة يبقى متحركاً مبدلاً، على عكس القضاء الجالس، إذ كان في الوسع تعديل الادعاء، ما دام أن القرار القضائي مبرم لم يصدر بعد. أما وأن الأمر لم يحصل، فإن محكمة التمييز العسكرية تبقى محكمة محاكمة للقرار البدائي من النواحي القانونية، وليس الواقعية.
القضاء اللبناني ، كما ينص الدستور، وعملاً بمفهوم فصل السلطات، سلطة مستقلة، لا تأتمر بأي طرف، ولا تسير إلا تحت تأثير الدستور والقوانين المرعية، وذلك باسم الشعب اللبناني. المهزلة القضائية أو السياسية في قضية المخرب ميشال سماحة برهنت، مرة أخرى، عدم وجود هذا المبدأ، أو عدم مراعاته. وعلى الرغم من صحة الدعوة إلى الحد من الصلاحيات الهميونية للمحكمة العسكرية، فإن الأسلوب المتبع، عبر تسييس هذا المطلب لن يؤدي إلا إلى التفاف قسم من اللبنانيين حول المحكمة، رمزاً مذهبياً بحتاً من أجل تحدّي القوى السياسية المقابلة.
يضع ميشال سماحة، بوصفه معضلة أخلاقية، الجسمين القضائي والسياسي في لبنان في سلة واحدة، وكذلك يعرّض المؤسسة العسكرية للنقد والتجريح، في وقت تحتاج كل مؤسسات الدولة، ولاسيما الجيش، إلى الدعم الشعبي والدولي، لمقارعة الخطر الإرهابي من أين ما أتى.
ومع اقتراب ذكرى 14 شباط، نجد مناسبة قيام حركة 14 آذار وثورة الأرز مؤاتية للنقد الذاتي، خصوصاً لناحية بنية العمل التقني السليم في ضوء المتغيرات المتسارعة في لبنان والمنطقة معاً، وإلا فإن الثقة بالحركة سوف تتراجع إلى أدنى مستوياتها. والآتي أعظم