يجب الوقوف مع وفد المعارضة السورية ودعمه (18ديسمبر/2015/Getty)

برهان غليون

لقراءة المقال على الموقع الأصلي: اضغط هنا

لعل أعظم ما حصل سورياً، في الأسبوع الماضي، وأنعش الأمل في إمكانية إحباط الخطط الأميركية والروسية والإيرانية والإسرائيلية معاً، هو التناغم غير المسبوق، الذي لا يماثله سوى التفاعل الشامل مع انطلاق المجلس الوطني السوري في بداية تشكيله، بين جميع مكونات وأطياف الرأي العام الثوري والمعارض مع المواقف القوية لهيئة التفاوض العليا التي رفضت الانصياع لإرادة الدول الكبرى والخضوع لابتزازها. وسبب هذا التناغم هو رفض المعارضة المشاركة في مؤتمر جنيف 3 بشروط الدول الكبرى التي همشت كلياً قضية الشعب السوري المتجسّدة في التحرّر من نير نظام القهر والعبودية المدعوم من الخارج، لتركّز على وقف إطلاق نار عشوائي، وحسب الطلب، يسمح باستمرار القصف والحصار والقتل المنهجي للمدنيين، وتجنيد البلاد والشعب في الحرب الدولية ضد الإرهاب الذي كان الثمرة المرّة لسياسات هذه الدول الفاشلة، وخططها الهزيلة، وإصرارها على أن تكون مسألة الانتقال السياسي محور هذه المفاوضات، وأن يكون تطبيق قرار مجلس الأمن 2254 الذي ينص على الوقف الفوري للحصار والتجويع والقصف العشوائي للمدنيين وإطلاق سراح المعتقلين المدخل لأي مفاوضات جدية مع النظام الذي تحوّل إلى قناع للسيطرة الروسية.  

ولذلك، أثار إعلان هيئة المفاوضات عن قبولها حضور محادثات جنيف، بعد ما قدم لها من تطمينات دولية، قلق قطاعات واسعة من الرأي العام السوري المعارض الذي تابع مقاومة الهيئة الضغوط الدولية، وتحمس لتمسكها الرائع بحقوق السوريين الأساسية، وعدم المساومة على الانتهاكات الصارخة التي وصفتها المنظمات الإنسانية بالجرائم ضد الإنسانية، وفي مقدمها الاعتقالات البربرية وحصارات التجويع والقصف بالبراميل والقنابل العنقودية للمدنيين.

والحال، ليس ما كان مرفوضاً المشاركة في مفاوضات التوصل إلى حل سياسي، وإنما: أولاً، عدم القبول بالدخول فيها، بينما يستمر التجويع والقصف الهمجي على المدنيين وعمليات الاختطاف والاعتقال. وثانياً، إعادة توجيه العملية التفاوضية، ووضعها على الطريق الصحيح، أي تحويلها من مباحثاتٍ للاتفاق على المشاركة في الحرب على الاٍرهاب لصالح روسيا وأميركا وإيران وغيرها من الدول، كما تريد موسكو وطهران، إلى مفاوضاتٍ تهدف إلى تعبيد الطريق نحو تغيير سياسي، بدءاً بتشكيل هيئةٍ انتقاليةٍ كاملة الصلاحيات، تقود عمليات إعادة هيلكة أجهزة الدولة، وبسط الأمن والسلام، وطرد المليشيات الأجنبية الداعشية والايرانية، وكل المليشيات الأجنبية.

حتى الآن، يبدو أن سياسة التمسك بحقوق الشعب، ورفض التنازلات المجانية لصالح التفاهم الدولي قد حققت بعض أهدافها، وإن كان من السابق لأوانه التأكد من أن كل ما وعدت به الدول والأمم المتحدة سوف يتحقق بالفعل. فبعد خمس سنواتٍ من سياسات الخديعة والكذب والتحلل من الالتزامات والمسؤوليات، أصبح من الصعب على السوريين إيلاء ثقتهم بالمجتمع الدولي. لكن، إذا التزمت واشنطن والأمم المتحدة بالوقف الفوري لحصار المدن، وحل مشكلة الاعتقالات، وتجنيب المدنيين القصف، وتعريف هدف المفاوضات الرئيسي على أنه الانتقال نحو نظام جديد، فسيكون هذا انتصاراً كبيراً لوفد المفاوضات، ولقوى الثورة والمعارضة.

مفاوضات السلام معركة قد تكون أصعب من المعركة العسكرية، لا يمكن أن نهرب منها، ولا يمكن أن نتهاون فيها، وفي الإعداد لكسبها. وهذا يستدعي، قبل أي عامل آخر، أن نبقى موحدين خلف وفد المفاوضات، وأن لا نوفر إظهار دعمنا وتأييدنا له، وثقتنا به، وبحرص رجالاته على مصالح سورية وشعبها. وبهذه الثقة، نعزّز موقف الوفد، ونزيد من تصميمه على التمسك بموقفه وإصراره على النصر.

إن تصحيح وجهة المفاوضات وحل الملف الإنساني، قبل بدء المفاوضات، مكاسب أساسية، لا ينبغي أن نستهين بها بالتأكيد. فهي مقدماتٌ مهمة، لتعزيز موقف وفدنا، وفي الصراع العنيف الذي سيستمر في المراحل التالية والصعبة من المفاوضات التي ليس لها، فضلاً عن ذلك، سوى أمل صغير في النجاح.

لذلك، لا ينبغي أيضاً أن نتوهم أن ما وُعدنا به قد أنجز، أو أنه سيُنجز ببساطة. سوف يستمر أعداء الثورة في السعي إلى الالتفاف على هذه المكاسب، وتفريغها من مضمونها. فخصمنا ليس بالعدو السهل. وهو ليس طرفاً واحداً، وإنما أطراف تكالبت علينا بسبب ما أظهرناه في المرحلة السابقة من انقسام وضعف، وتباين في الرأي والرؤية، لم يعوّض عنه سوى استعداد شعبنا الهائل للتضحية.

أما الآن، فينبغي أن تكون الوحدة والثقة والتعاون والعمل كفريق بين كل أبناء الثورة وأنصارها، مقاتلين وناشطين، أساس عملنا، وأن تحل النصيحة والنقد البناء محل التشهير والتجريح والشماتة التي سيطرت على سلوك كثيرين منا في السنوات الماضية. إذا بقينا موحدين، سننتصر مهما كانت قوة خصومنا، لأن قضيتنا عادلة، وهم ظالمون ومعتدون. ولن نكون موحدين ما لم تتغلب روح الثقة التي تجمع بيننا على روح الشك والمناكفة والمخاصمة التي فرقتنا عقوداً طويلة سابقة.