تذكير وتأطير

رأينا في الجزء الثاني من هذا المقال، بأن التحرش الجنسي هي ممارسة تعبيرية، هدفها التعبير عن حالة نفسية جنسية يعيشها الشخص المُمارِس للتحرش، وتبقى هذه الممارسة، ذات بعد لا إنساني لما لها من تحويل الشخص (الممارس عليه) إلى وسيلة من وسائل هذا التعبير النفسي، وعدم إحترام قراره في هذه الممارسة…

وطرحنا سؤالا حول الحلول الممكنة لهاته الممارسة ومن يتحمل مسؤوليتها، وسنحاول إن شاء الله الإجابة عن هاته الأسئلة بتبني خمسة آراء فلسفية، وصياغتها حول هذا الموضوع:

1-معرفة الصواب

2- الواجب الأخلاقي المطلق

3- التسامي

4- نيل الإعتراف

5- نفي الحوافز

1- معرفة الصواب

يعتبر هذا الرأي أن الإنسان إن كان على دراية بالصواب فإنه لن يتجرأ على فعل الخطأ، لأنه يُدرك بأن الخطأ يُناقض العقل والمنطق. وهذا الرأي يعود إلى سقراط الذي اعتقد بأن معرفة الفضيلة تؤدي تلقائيا إلى تبنيها دائما، فقد ظن سقراط بأن الأشرار  تنقصهم الفضيلة، وهذا النقص راجع إلى عدم معرفتهم لها، فإن أراد إذن المصلح أن يقضي على الشر فلابد له أن يُعلم الأاشرار ماهية الفضيلة حتى يتبنونها.

إن هذا إعتقاد ساذج في غالب الأحيان، فالثقة في عقل الإنسان على أنه يستطيع أن يمنع الشخص على فعل الخطأ، هو إستهانة بالجانب النفسي له الذي تحكمه العواطف والشهوات. فمع أن العقل يستطيع أن يكبح صاحبه على فعل بعض الممارسات التي تُعتبر خاطئة إجتماعيا وإنسانيا، فهذا لا يعني أنه يمكنه أن يمنع ممارسات أخرى، حتى ولو علم بخطئها.

فهذا الرأي قد أهمل قوة العواطف والغرائز على سلوك الشخصن وأعطى للعقل ذلك الأساس القوي لترويض سلوك الشخص.

بالطبع يمكن للعقل أن يستنتج خطأ السلوك، لكن لا يعني هذا أنه يمكن أن يمنع السلوك، لهذا فإن الفعل كيفما كان تحكمه عوامل وظروف معينة هي التي تُحدده، ويبقى دور العقل في هذا الإطار هو ممارسة التقييم.

وبما أن التحرش الجنسي من الأخطاء التي تُحددها المعايير الإجتماعية والإنسانية، فإن العقل لا يستطيع وحده منع هذا الفعل، فحتى ولو قمنا بتعليم العقل بأن التحرش الجنسي هو إحتقار للإنسان، فليس هناك ضامن يضمن أن الشخص بمعرفته لهاته الحقيقة لن لا يقوم بممارسة ذاك الخطأ.

إذن، التحرش الجنسي ليس إشكالا فكريا بالأساس، لهذا علاج الظاهرة لن يتأتى إنطلاقا من تلقين الفرد ماهية الأخطاء وتجنبها. يعني أن التوعية بفداحة التحرش الجنسي ليس حلا، وإن كانت جزءا من الحل، لهذا حصر التحرش الجنسي في إشكال معرفي يعتبر خطأ فادحا.

2- الواجب الأخلاقي المطلق

يعتقد هذا الرأي وهو في مجمله رأي إيمانويل كانط، أن الإنسان يستطيع أن يتبنى الأخلاق كواجب إنساني مطلق، لا لهدف خارجي أو داخلي وإنما كهدف في حد ذاته. يعني أن يُطبق هذه الأخلاق في أي وقت وأي مكان دون أن تسبقه فكرة الحصول على مقابل هنا والآن أو في الآخرة بعد الموت.

و هذه الأخلاق في مجلمها تكون إنسانية وكونية أي أن أي شخص يجب أن يُطبقها في علاقته مع شخص غيره، سواء كان فردا أو جماعة. لأن هذه الأخلاق تطابق العقل، وبما أن العقل هو عام عند الإنسان فهذه الأخلاق أيضا ستكون عامة عنده.

ومن القواعد المطلقة التي وضعها كانط لتطبيق الأخلاق، هي قوله -بشكل من التصرف- “عامل كل موجود بشري، بما في ذلك نفسك، بوصفه غاية في ذاته، ولا تعامله بوصفه وسيلة لمصلحة أي شخص”(1).

تعني هذه القاعدة أن الإنسان ليس مجرد وسيلة كباقي الأشياء، بل هو غاية في ذاته أي الغاية توجد في نفسه، وفي داخله وليس خارجه ليُصبح وسيلة لتحقيقها. فالشخص يجب أن ينظر إلى الآخر كغاية وليس كوسيلة. فإدراك الإنسان لذاته كذات مُفكرة تعي ذاتها ككيان مستقل، وتُدرك بالتوازي وجود ذوات أخرى تُشبهها ككيانات مُستقلة أيضا، يعني أن إستقلال هاته الذوات تستدعي إعتبارها كذلك ذواتا مُفكرة تعي وجودها المستقل، وهكذا لا فرق بين هاته الذوات، مادامت تختلف عن الأشياء التي لا تعي نفسها.

وإحساس الإنسان بوجوده الذاتي يعني أنه يُحس بأنه غاية في ذاته، وينتج عنه أن أي كيان آخر (الغير) يُشبهه في إستقلاله
الذاتي كإنسان، يُعتبرأيضا غاية في ذاته، وهذا ما يعني أن كل إنسان له كرامته، وأي استنقاص من تلك الكرامة يُعد إحتقارا لكرامة الإنسانية جمعاء، وهنا لابد من جعل المحافظة على تلك الكرامة واجبا أخلاقيا مطلقا يتحمله أي شخص يعتبر نفسه إنسانا. وهاته الكرامة يحدث الإستنقاص منها، إن جُعل الإنسان كوسيلة لغاية أخرى، أي العمل على تشييئه.

فالإنسان إن تم استخدامه كوسيلة لغرض ما، يُعد تلقائيا إستنقاصا لكرامته، وهذا ما يحدث أثناء ممارسة التحرش الجنسي كما أن قلنا سابقا.

لكن المشكل في هذا الرأي هو أنه يبقى فقط تقييما للممارسة وليس علاجا لها. فليس هناك ضامن يؤكد على أن الإنسان سيعتبر أن غيره يُساويه في الكرامة بمجرد تبنيه لهذا الرأي الفلسفي، وأكبر إشكال هو أن الإنسان قد يدعي أنه يتبنى رأيا فلسفيا لكن تجعله بعض الإعتبارات والظروف يتغاضى عنه (عن الرأي الفلسفي)، ويفعل عكس الرأي الفلسفي الذي يتبناه.

لهذا نلاحظ أن هذا الرأي يُشبه في رؤيته للمشكلة، رؤية الرأي الأول، فهُمَا معا يعتمدان بكل ثقة على العقل كعامل
لتطبيق الأخلاق وتعميمها. وإن كان وصفهما لهذا العقل يختلف، فسقراط تحدث عن العقل بصفة عامة، وأنه إن عرف الفضيلة فإنه سيطبقها مباشرة، أي أن المعرفة sتتحكم في السلوك، في حين أن كانط يصف هذا العقل بالعقل العملي الأخلاقي في مقابل العقل الخالص. فالعقل العملي هذا، هو العقل الذي يتوصل بمنطقه إلى القواعد الأخلاقية المطلقة التي تُحتم عليه أن يسير على أساسها في علاقته مع الموجود العاقل الآخر. دون إنتظار مكافأة دنيوية أو أخروية، ودون خوف من العقاب فاني أو أبدي، فتطبيق هذه الأخلاق تكون بالمطلق كواجب كوني وإنساني لا غير.

إذن، الإنسان كائن عاقل، ويسعى للمعرفة، وحصول على هذه المعرفة لا يمكن أن نؤكد على أنها سوف تهذب سلوكه، فالإعتبارات العقلية لا يمكنها وحدها أن تُنظم الجسد، وهذا إشكال فلسفي سنناقشه إن شاء الله في مقال آخر.