“يعمل في الثورة السورية”، جملة انتشرت كثيرا في بداية الثورة، حيث تفرغ بعضهم لشؤون الثورة وتفاصيلها، وبعضهم ترك أعمالهم الأصلية، كي لا يشغلهم شيء عن المظاهرات والحراك المدني، فيما اليوم بات الهم محصورا في تدبير شؤون الحياة.

كثيرا ما أتساءل عن شيء أصادفه على صفحات التواصل الاجتماعي السورية: حين أدخل صفحات بعض من يرسلون إليّ طلبات صداقة، وأغلبهم خارج سورية، أرى أنهم كتبوا في خانة “العمل”: يعمل في الثورة السورية. وهذه جملة انتشرت كثيرا في بداية الثورة، حيث تفرغ بعضهم فعلا لشؤون الثورة وتفاصيلها، حتى أنني أعرف من تركوا أعمالهم الأصلية، كي لا يشغلهم شيء عن المظاهرات والحراك المدني. ألغى هؤلاء هذا البند لاحقا من بروفايلاتهم، بعد أن أصبحوا خارج سورية، أو بعد عسكرة الثورة، حيث لم تعد هناك مساحة لأي عمل مدني خارج نطاق الإغاثة. ورفض كثيرون العمل في الإغاثة لما تجرّه من تخوين، لا يقدر بعضهم على احتمال نتائجه.
الآن بعد مضي هذا الزمن، وبعد أن حصل ما حصل، وبعد أن صار اهتمام معظم السوريين، في الخارج والداخل، محصورا في تدبير شؤون حياتهم، أتساءل عن الإصرار على أن العمل هو في “الثورة السورية”؟! أقول لنفسي أحيانا: ربما احتفظوا بهذا البند كي لا ينسى أحد، أن ما حصل في سورية ذات يوم كان ثورة، وليس حربا، متعدّدة الأطراف أو عبثية، كما باتت تسمّى اليوم، ربما هذه الرومانسية الثورية التي يصر بعضهم على وجودها، مهمة، للحفاظ على بعض التوازن في وسط الخذلانات المرعبة التي منينا بها جميعا.
ما معنى الثورة ومن هو الثوري؟ سؤالان يتردّد طرحهما في كل حديث عن الثورة، وتوضع لهما تعاريف متعدّدة، تبعا لثقافة المجيب وانتمائه الإيديولوجي، على أن للثورة تعاريف محدّدة، قديمة ومعاصرة، وكلها تصبّ في معنى التغيير، إلا أنه ليس لهذا التغيير وجه إيجابي واحد بالنسبة إلى الجميع، فما قد يراه بعضهم إيجابيا في تغيير ما، يراه آخرون سلبيا، ما يعني أن شرط التقدمية ليس مرتبطا بتعريف الثورة، ما يعني أيضا أن الثوار ليسوا فقط هم التنويريين واليساريين، إذ يمكن للرجعية واليمين أن يقوما بثورة، ما دام تعريف الثورة يعني “الخروج عن الوضع السياسي الراهن وتغييره باندفاع يحرّكه عدم الرضا، سواء إلى وضع أفضل أم أسوأ”. هذا أيضا يعني أننا نقيّم مدى ثورية الآخرين، بالنظر إلى تعريفنا الشخصي للثورة، بالنظر إلى ما نريده نحن من الثورة، بالنظر إلى انتمائنا الإيديولوجي والفكري، وهو ما يوضحه تماما الفرق بين جيفارا وبن لادن، حيث للاثنين أتباع ومعجبون وتلامذة يرون فيهما رمزا للثورة، ونموذجا لما يجب أن يكون عليه الثائر؛ وهو أيضا ما يتّضح، جليا، في الثورة السورية، حيث يرفض كثيرون تسميتها ثورة لأنها “رجعية”، حسب ما يرونه فيها، ويسمّيها آخرون ثورة لأنهم ببساطة لا يرون الرجعية بما يراه الآخرون، بينما هناك قسم راديكالي جدا بعلاقته بها، حيث يصر على تسمية “الثورة”، مهما كان وضعها وظروفها، ومهما كانت أهدافها، إلى حد اعتبار من يطلق عليها تسمية أخرى حليفا للنظام التي قامت ضده.
أرى أن أي حركة بعد سنوات الثبات والركود هي ثورة، أي خروج عن السائد هو ثورة، أي صوت بعد سنوات الصمت هو ثورة. الحركة هي الحياة والثبات هو الموت. الحياة بحد ذاتها ثورة، فالموت سهل ومتيسر ومتوفر. الموت بمعناه النفسي وليس فقط المادي، عيش الحياة شاقٌّ ونادر. البحث عن هذا العيش والإصرارعليه هما ثورة. لهذا ربما أكثر ما أحب من قصائد الشاعر التشيلي الشهير، بابلو نيرودا، قصيدته القصيرة: يموت ببطء، إنها قصيدة ثورة بكل معنى الكلمة، على الرغم من بعدها التام عن السياسة، وسهولتها وبساطتها، لكنها تضج بالحركة والحياة:
يموت ببطء/ من لا يسافر/ من لا يقرأ/ من لا يسمع الموسيقى/ من لا يعرف كيف يجد شيئا بفضل عينيه/ يموت ببطء/ من يصبح عبدا للعادة/ يعاود كل يوم المسافات نفسها/ من لا يغير أبدا وجهته حين يحسّ التعاسة في العمل أو الحب/ من لا يجازف أبدا بتغيير لون ملابسه/ أو لا يتحدّث أبدا مع غريب/ يموت ببطء من يتجنب العواطف وزوبعتها الانفعالية/ التي تمنحنا النور في العيون/ وترمم القلوب المكسورة/ عش حياتك الآن/ جازف/ تصرف بسرعة/ تفاد الموت البطيء..
ثمة خلط كبير بين الثورة والحرية، ليس كل ثائر حرا، ولا تطمح الثورات دائما إلى نيل الحرية. لكن لا يمكن لمن يرى في الحرية الغاية الأهم والأنبل والأكثر عمقا وإنسانية إلا أن يكون ثائرا، وأن يرى أن الثورة من حق الجميع مثلما هي الحرية.
“الحرية هي إمكانية التشكيك وارتكاب الأخطاء وقول لا لأي سلطة أدبية أو فنية أو دينية أو فلسفية أو سياسية”، يقول الكاتب الشيوعي الإيطالي، إيجنازيو سيلوني: “في الثورات يصعب قول لا في وجه أحد، وإلا يصنف القائل بالطابور الخامس”.