56ec9f92-df6e-48f0-b754-f05660d147c1.jpg

مقالات

لقراءة المادة على الموقع الأصلي انقر هنا

محمود الوهب

تشير قضية إخفاء الكاتب السعودي جمال خاشقجي إلى هشاشة الدول العربية في عمقها، والتي لن يحميها أي شيء حين تذروها رياح الحضارة، حضارة اليوم وقيمها، سواء تحصَّنت بالإرهاب، أم بدفع “الإتاوة” لحماتها من “الأصدقاء” الأقوياء.

أثارت قضية الكاتب جمال خاشقجي ما أثارته لدى العالم أجمع من أسىً يحيل، وبغض النظر عن ملابسات القضية التي دخلت اليوم في نفق اللجان والمساومات السياسية، إلى التسلط والاستبداد الذي يفتقر إلى أبسط قواعد الأدب السياسي، وأخلاقياته.. فما بين قضيتي جمال خاشقجي وناصر السعيد المختطف في بيروت أواخر عام 1979، والمختلف في رواية اغتياله، أقتلاً في وطنه أم إسقاطاً من طائرة على الشواطئ اللبنانية، زمن طويل من عتمة المآسي، ومظالم الضحايا. وإذا كانت قضية خاشقجي قد فعلت ما فعلته من تأثير في العالم أجمع، فإنها تحيل إلى أمرين ماضيين، الأول عن حافظ الأسد وحلفه الاستراتيجي مع المملكة السعودية التي مكَّنت له في الحكم مع من مكَّن، وإلى جبهته التقدمية والحزب الشيوعي الذي كان فيما يبدو يشكل هاجساً للحكام السعوديين الذين أخذوا على عاتقهم محاربة الشيوعية منذ عقود، وتشكيل منظمة القاعدة في أفغانستان تلبية لدعوة الرئيس الأميركي رونالد ريغان، بحسب معمر القذافي. وقد نقل حافظ الأسد، في سياق حديث له عن زيارته مملكة آل سعود، إلى القيادة المركزية لجبهته “الوطنية” عتاب السعوديين له وتساؤلهم، عن الحزب الشيوعي، وإذا ما كان يشكِّل خطورة ما، وعمَّا يفعله في جبهة الأسد، ولِمَ يبقيه الأسد أصلاً؟! فكان رد الأسد: “هو حزب وطني، ولا خوف منه”، ما يعني، بلغة الأسد الديبلوماسية، أنه “تحت السيطرة..”. لكن الأسد، حين نقل عتاب السعوديين، منَّن زعيم الحزب الشيوعي، خالد بكداش بجوابه، وكذلك فعل الأخير لدى نقله العبارة إلى كوادر الحزب، مؤكداً صواب تحالفه مع الأسد “التقدمي”.
أما الأمر الثاني والأهم فيما تحيل إليه قضية جمال خاشقجي، فهو فكرة لطالما شغلتني بشأن وجود الدولة العربية التي يمكن أن تكون نموذجاً لدولة معاصرة، وتشكل، بالتالي، أملاً يتطلع إليه العرب الطامحون إلى النهوض والارتقاء. ويعود مردُّ تلك الفكرة إلى إمعان النظر في 
“فقدان مشروع نهضة العرب الذي بدأه منوِّرون مبدعون من عرب ومسلمين في أواخر القرن التاسع عشر”

الخريطة السياسية العربية أمام المتغيرات الدولية، وتحت تأثير معاناة الهزائم المتلاحقة، والاقتتال العربي/ العربي، وفقدان مشروع نهضة العرب الذي بدأه منوِّرون مبدعون من عرب ومسلمين في أواخر القرن التاسع عشر، وأوائل القرن العشرين، وضيَّعه العسكر في نصف القرن الثاني، فقد تراءى لي أنه يمكن للمملكة العربية السعودية أن تسدَّ مثل هذا الفراغ، وتكون قاطرةَ لمشروع سياسي عربي متطور، يقود العرب لا إلى وحدةٍ راجت شعاراتها في منتصف القرن الماضي، ولا إلى تكتل إقليمي في المنطقة يلعب دوراً على حساب دول المنطقة الأخرى.. بل للإمساك بخيوط الحضارة المعاصرة التي هي مصدر كل قوة اليوم، وبالتالي لرفع الحيف عن كاهل العرب أجمعين. وقلت، في سرّي، إنه ما دامت مصر قد آلت إلى ما آلت إليه من انكفاء، يرافقه ترسيخ ربما لموجة جديدة من دكتاتورية العسكر، وما دامت كل من سورية والعراق قد غرقتا بالدم والخراب والفوضى، ما يجعلهما مشغولتيْن بترميم أوجاعهما عقودا مقبلة.. فَلِمَ لا تأخذ المملكة العربية السعودية على عاتقها هذا الأمر، إذ هي شريك تاريخي مؤثر لكل من سورية ومصر في سياسات المنطقة العربية، ولديها ما يمكنِّها في هذا المجال. وأخذت أعدّد ميزاتها، فهي من أغنى دول المنطقة بالنفط، إضافة إلى أنها مركز ديني له قدسيته ومكانته العالمية. كما أن الشعب السعودي ليس كأيامه الخوالي يعيش الجهل والتخلف، فثمّة اليوم خرّيجون كثيرون في الاختصاصات كافة، ما يجعل هؤلاء قادرين على التفاعل الحضاري، والإمساك بزمامه، إذا ما توفرت الإرادة الوطنية والقومية، إضافة إلى أنَّ المملكة تعتمد على أصدقاء فاعلين على مستوى العالم، لهم قوة وبأس وباع طويلة في الحضارة المعاصرة، على الرغم مما تثيره صداقتهم من توجّس وحساسية.
قد تكون مبالغة في هذا التفكير، إذ يتجاوز نمط واقع الحكم في السعودية الذي أتى على وصفه المنور الحلبي عبد الرحمن الكواكبي، لدى تشخيصه الاستبداد الإقطاعي عموماً في كتابه “طبائع الاستبداد” بأنه: “حكومة فردٍ مطلق وارثٍ للعرش، قائدٍ للجيش حائز على سلطة دينية..”. وقد أكون متعلقاً بالأوهام، كأي عربي يعيش تحت ضغط الواقع المزري للعرب عموماً. وقد يغالطني أيضاً الواقع العربي الذي تبدَّلت فيه مفاهيم كثيرة، وأولها مفهوم الفكر القومي الذي بني في زمن تشكل وعي عربي حديث، يأمل باستعادة دولة جامعة للعرب، وينكره اليوم بعض دُعاته، ورافعي شعاراته في كل من مصر وسورية والعراق.. بل إنَّ تجارب الواقع المر هي التي ركنت هذا المفهوم على الرف منذ زمن، فغدا من المنسيّات، أو شبهها، وها هو ذا “البعث” السوري اليوم يعيد النظر في أساس بنيته، وفي جوهر بناء فكره السياسي الذي جاء في عمقه الاستراتيجي سعياً نحو الأمة العربية الواحدة، ورسالتها الخالدة التي استبدلت بـ”الرفيق الخالد”، وأظنه يعي اليوم ما يفعله في نوعٍ من الصحوة المتأخرة جداً التي لا يناسبها من القول إلا “صحوة الموت” التي تأتي، في وقتٍ، يستعد فيه “البعث” لمغادرة الحياة السياسية كلياً جرّاء ما ارتكبت يداه من آثام عديدة، رأسها ولبها قبوله أن يكون أداةً تحت إمرة الدكتاتورية التي دمرت الوطن والشعب معاً تجاه مصالحها، وكان “البعث” وجبهته الوطنية غطاء لذلك التدمير..
ولعلَّ ما جعلني أفكر بتلك الطريقة، وعلى الرغم من كل ما ذكرت من تقديراتٍ خاطئة، 

“قضية جمال خاشقجي شكّلت صفعة لكل تلك الأوهام التي تعوِّل على أنظمةٍ هي أبعد ما تكون عن التفكير في غير مصالحها المباشرة”

شذرات من أحلام تعوِّل على بقايا نخوة ما، ربما استيقظت في رأس هذا الحاكم العربي أو ذاك. لكن مجيء قضية جمال خاشقجي شكّل صفعة لكل تلك الأوهام التي تعوِّل على أنظمةٍ هي أبعد ما تكون عن التفكير في غير مصالحها المباشرة، وزيادة تسلّطها كلما زادت حضارة اليوم من ضغوطها على أنظمتها المتعفنة، فهذه الأنظمة قد تجاوزت، في تخلفها، المستبدين العسكريين الذين ضيَّعوا ما صرّحوا به من أفكار ومعتقدات، وما رفعوه من شعاراتٍ وطنيةٍ وقومية بتفرّدهم في الحكم الذي برّروه بالخشية من تشتت الهدف عند تعدّد الآراء، وتناقض المصالح.. لكن العمل عكس ذلك هو الصحيح طبعاً.
وفي عودة إلى الكواكبي الذي قارن بين أنظمة العرب والمسلمين وبين الغرب فيما يتعلق بحرية الرأي والإعلام عموماً في كتابه، نجد “أطلقت الأمم الحرة حرية الخطابة والتأليف والمطبوعات مستثنية القذف فقط.. ورأت أن تحمل مضرّة الفوضى في ذلك خير من التحديد، لأنه لا مانع للحكام أن يجعلوا الشعرة من التقييد سلسلةً من حديد، يخنقون بها عدوتهم الحرية”. فكيف بنا في دولةٍ لا قوانين لديها تقرّ بأبسط الحقوق الإنسانية لمواطنيها، أن تقبل بالرأي الآخر، ما يعني حرية التعبير؟ وستبقى قضية إخفاء الكاتب السعودي جمال خاشقجي، مهما كان الحال الذي ستتكشف عنه، تشير إلى هشاشة هذه الدول في عمقها، ولن يحميها حين تذروها رياح الحضارة، حضارة اليوم وقيمها، وسواء تحصَّنت بالإرهاب أم بدفع “الإتاوة” لحماتها من “الأصدقاء” الأقوياء.

إعجاب تحميل...