هكذا نريد تاريخًا عاريًا عن زخارف العصمة والصوابية المطلقة، تاريخًا ينتصر لقيمة الحق الذي هو اسم الله الأحسن وصفته المطلقة، حتى ولو كان عَرْض الحقيقة يثير التساؤلات في الأذهان، فطمس الحقيقة والسكوت عنها – وإن كان من دافع الغيرة الكامنة على صورة الإسلام – إلا أنه باطل ومخالف للقيمة المطلقة والمركزية في التصور الإسلامي: قيمة الحق، وكذلك يخالف الهدف الأول لدراسة التاريخ وهو إظهار الحقيقة.

بين أخطاء التاريخ والمؤرخين

لابد أن نستوعب الفرق بين أخطاء التاريخ وأخطاء المؤرخين، وهي مسألة منهجية في القراءة والتحليل.

فأخطاء التاريخ، تلك الأخطاء والخطايا الأخلاقية التي انحرفت عن قيم الإسلام، وتباينت مع أصول الفكرة الإسلامية، مثل: استحلال القتل في غير موضعه، والاستبداد في الرأي والإدارة، وقتل الشوري في مهدها، وغير ذلك.

وأخطاء المؤرخين، هي الانحرافات المنهجية التي وقع فيها المؤرخ؛ رغبة في إثبات قناعته الشخصية، أو نفيًا لما يُخالف مذهبه، أو قصورًا في تطبيق فلسفة التاريخ.

وقراءة التاريخ الإسلامي يشمل كلا الأمرين: (أخطاء التاريخ وأخطاء المؤرخين)، فيجب التنبُّه لذلك عند القراءة، ولكليهما معايير حاكمة ضابطة على إثبات الخطأ بدليله.

الباحث عن الحقيقة

وكم من مؤرخين حاكموا التاريخ ودوَّنوه تدوينًا عاطفيًا وِجدانيًا، فلم يحاكموا أدلة الأحداث، بل أوَّلوها لتستقيم مع أفكارهم، ومنهم من بالغوا في التشويه أو التمجيد على السواء؛ غَيرة وحَمية، ولكنها حَمية مذمومة وغَيرة باطلة، فالحَمية للحق لا سواه، مهما ادّعَوا وقالوا!

ومن ذلك مثالًا ما قرره بعض العلماء بأن كتاب (أباطيل يجب أن تمحي من التاريخ) للدكتور إبراهيم شعبوط، حيث حاكم التاريخ على أساس الجانب العاطفي والوِجداني، وهذا هو مأخذنا عليه، وإلا فالمؤلف ذو مكانة علمية مشهود بها.

التاريخ الإسلامي ليس سِجلا للكمالات

إن التاريخ الإسلامي بحاجة إلى نقدٍ موضوعي؛ لأن أغلب من كتبوا في التاريخ الإسلامي، كتبوا من منطلق التبرئة، وكأنهم يريدون أن يكون التاريخ الإسلامي سجلًا للكمالات، وأنه يتعالى عن الوضع البشري، وعن الأخطاء، وكأنَّ هذا رد فعل على بعض المستشرقين الذين حاولوا أن يصوروا أزهى وأرقى عصور التاريخ الإسلامي على أنها عصور مليئة بالمؤامرات، فجاءت بعض هذه الكتب فيها شحنة من العاطفة، ولكنها في الوقت ذاته تعيد كتابة التاريخ بطريقة غير موضوعية، وغير منتجة لعلم المستقبليات (استشراف المستقبل)، فكان أقصى غاية هؤلاء هو الاعتبار لا الاستبصار، وهذا غلط.

نعم، قلَّلت هذه الكتب من قداسة المرويات في كتب التاريخ، فالبعض كان إذا وَجد إسنادًا في كتاب تاريخي يظن وكأنه وقع على حقيقة علمية لا شك فيها، ويصعب عليه التشكيك في مضمون هذه الرواية، ولكن ينبغي أن يكون المؤرخ متزودًا بقدرٍ كبيرٍ جدًا من الموضوعية والاعتدال، فإذا وردت أمامه روايةٌ صحيحةٌ سندًا فيجب عليه قَبولها، وإن حملت في طياتها خطأً أخلاقيًا، فليس التاريخ مجالًا يقع فيه كل حسن.

نروي التاريخ كما وقع لا كما نريد

فما قَتلُ خالد بن الوليد رضي الله عنه – متأولًا – لبني جذيمة، وإنكار النبي عليه ذلك وتعنيفه، إلا رواية صحيحة تاريخيًا، حينئذٍ لا ينبغي القول إن هذه القصة مكذوبة؛ لمجرد نفي الأخطاء الأخلاقية عن التاريخ الإسلامي.

وفي المقابل بعض المؤرخين المستشرقين، والحداثيين ممن ساروا علي منهجهم يقولون: إن خالدًا بن الوليد قتل مالك بن نويرة من أجل أن يتزوج زوجته، فهذا المبدأ مرفوض؛ لأنه يتعلق بالحكم على المقاصد، ولم يقدم الشواهد أو يُقِم الأدلة على صدق ما ذهب إليه، بل هذا ضرْبٌ من التشويه فحسب.

فلابد من التوازن في تناول التاريخ الإسلامي عرضًا وتدوينًا، وألا نكون ردة فعل لقسوة الأحداث العالمية وتسويق الأخطاء التاريخية؛ فنفقد ثقتنا بتاريخنا والواقع علي السواء؛ ونفقد على أثر ذلك القدرة على فهم ومواجهة الواقع العالمي، ونفقد كذلك جذور تربة حضارتنا التي امتدت 12 قرنًا متصلًا – ولا زالت تحتفظ بدافعيتها للانطلاق – فلا نستطيع عندئذٍ أن نبنيَ عليه حضارتنا – من جديد – ونفقد التراكم المعرفي أحد أهم مكونات البناء الحضاري.

تدوين يُفقد التاريخُ مقاصده

لا شك أن التاريخ الإسلامي به مشكلة في التصنيف والتدوين بشكل منهجي، حيث اعتمد المؤرخون في التأريخ علي الحَوليات، (ثم دخلت سنة كذا وكذا … وفي سنة كذا حدث كذا وكذا …)، وهذا وإن كان جيدًا في حينه؛إلا أنه يُفقِد التاريخ القدرة على ربط الأحداث، والقدرة على تصور الأمور كما كانت، والقدرة على إنتاج المستقبل من قراءة الماضي بشكل رصين.

ومما يجدر الإشارة إليه، أن التاريخ الإسلامي بعد عصر الخلفاء الراشدين، منحاز في تدوينه إلي نمط التاريخ السياسي في الغالب، فيؤرخ لتنصيب بعض الحكام، والثورة علي بعضهم، والمحاولات الفاشلة في خلعهم، وهذا ليس نفيًا لعدم وجود التاريخ الاجتماعي، والحضاري، والعلمي، ولكنَّ ذلك كله لم ينل قسطًا وافرًا من التدوين والرعاية، وتشتت في ثنايا كتب الأدباء والتراجم والمحدثين.

تاريخ الإسلام بقعة مضيئة في تاريخ البشرية

ليس إرسالًا في القول، بل حقيقة أثبتها الغرب أنفسهم، فتاريخ البشرية والعالم والحضارات كلها مليئة بأبشع الصور في الانحراف عن القيم والإفساد المتعمد، وكذلك مليء بإضاءات إنسانية وعلومٍ وتقنياتٍ، والتاريخ الإسلامي تاريخ (بشري غير معصوم) لا (تاريخ لاهوتي مقدس).

حينذاك، يجب أن نَعِيَ أن تاريخنا الإسلامي مما يُفتخر به، وليست الأخطاء مثلبةً في المنهج، وإنما في القائم به – نحن البشر – لذلك تجد كثيرًا من غير المسلمين ينتمون إلي التاريخ الإسلامي هُويةً لا اعتقادًا، ومنه قول الشاعر النصراني المشهور رشيد سليم الخوري الذي ينزل على النصاري في لبنان ويخاطبهم:

بربك قل متى لبنان ثارا                    ليدرك من علوج الروم ثارا

متى ابتدرت إلى السيف النصارى      لتغسل بالدم المسفوح عارا

وتدرك مرة شرف الجهاد                 رضينا بالتفرنج أن نخونا

فأغضينا علي الظلم الجفونا            نقول المسلمون المسلمون

نلعنهم ونحن الخائنون                   نبيع بدرهم مجد البلاد

وقال وليم شد في كتابه (الإسلام والكنيسة الشرقية): ليس في أخبار التاريخ الماضية ما يماثل سرعة انتشار الإسلام، وتقدمه، وتبسطه.

ويقول المؤرخ الإنجليزي المشهور هـربرت جورج ويلز: كل دين لا يسير مع المدنية في كل طَور من أطوارها فاضرب به عرْض الحائط ولا تبالِ به؛ لأن الدين الذي لا يسير مع المدنية جنبًا إلى جنب لَهُوَ شر مستطير على أصحابه يجرهم إلى الهلاك، وإن الديانة الحقَّة التي وجدتها تسير مع المدنية أنَّى سارت هي الديانة الإسلامية، وإذا أراد الإنسان أن يعرف شيئًا من هذا فليقرأ القرآن، وما فيه من نظريات علمية وقوانين وأنظمة لربط المجتمع، فهو كتاب ديني علمي، اجتماعي تهذيبي، خلُقي تاريخي، وكثير من أنظمته وقوانينه تستعمل حتى في وقتنا الحالي، وستبقى مستعمَلة حتى قيام الساعة.

ويقول كلود فارير في المقدمة التي كتبها للترجمة الفرنسية من رواية (العباسة أخت الرشيد). تأليف جُرجي زيدان: أصيبت الإنسانية والعالم الغربي عام 732م بكارثة عظمى لم تصب بمثلها في القرون الوسطى، وبقي أثرُها ظاهرًا في العالم مُدَّة سبعة قرون أو ثمانية إن لم يكن أكثر من ذلك؛ لأن روح التجدُّد كانت يومئذ قد بدت للعيان حتى وقعت تلك الكارثة، فكان من نتائجها تأخُّر سير الحضارة ورجوع العالم إلى الوراء، هذه الكارثة هي الانتصار المؤلم الذي أحرزه وحوش (الهاركا) من جيوش الإفرنج التي كان يقودها شارل مارتل سليل الكالنجيين محاربًا بها كتائب العرب والبربر التي لم يحسن عبد الرحمن جمعها وحشدها بالمقدار الكافي؛ فكان ذلك سبب خذلانها وتقهقرها، في ذلك اليوم المظلم تقهقرت الحضارة إلى الوراء ثمانية قرون، وحسب الذين يبتغون أن يشهدوا مثالًا من مدنية العرب يومئذ أن يتنقَّلوا بين حدائق الأندلس الغناء، ثم يأتوا الآن فيتردَّدوا بين خرائب ذلك العصر الماثلة للأنظار في إشبيلية وقرطبة وطليطلة وغرناطة.

ولو أسهبتُ لطال الكلام، والحال أنني لم أستدل بكلامٍ لعلماء الإسلام، ولكنَّ الحق ما شهدت به الأعداء، إنصافًا لا إطراءً.

فهناك إذًا انتماء ليس خاصًا بالمسلمين فقط، حتى غير المسلمين ينتمون لتاريخ هذه الأمة، ينتمون لثرواتها، ينتمون لتجربتها الإنسانية في تجسيد قيم دينها، ونَعى الله سبحانه وتعالى على أولئك الذين يقولون: (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ) [الزخرف:22]؛ لأنهم لم يدركوا حقيقة هُويتهم؛ ففقدوا دافعية الانطلاق ومركزية البناء.

المؤرخ وتصحيح المسار

لابد للمؤرخ أن يَصْدَع بالحقيقة ولو كانت قاسية، فالتاريخ ليس سردًا مجردًا للأحداث، بل حقيقته فهم حركة التاريخ، وعلم حركة الحياة، وسَنن الكون، والقدرة علي الاعتبار والاستبصار به، وما بُني على خطأٍ منهجي؛ أدَّى إلى خطأٍ معرفي، وكانت حصيلته خطأً حركيًا، ولا نكون كما قال الفيلسوف الألماني هيجل: إننا نَعلَم من التاريخ أننا لا نتعلَّم منه.

وما أحوجنا إلى تأريخٍ علميٍ رصين – لا يري للأهواء والعواطف وزنًا – غايته رسم الحقيقة بأبعادها الثلاثية (المكان والزمان والفاعل)، فتلك ثلاثية استقامة النظر والرؤية، ثم استقامة الاعتبار والاستبصار، بحيث لا يغيب عنا من رؤية الصورة شيء، فيُبصِرُها العالم فيزداد تبصُّرًا واستنباطًا واستقراءً، ويزداد بها غير العالم وعيًا وفهمًا وإدراكًا.

فتاريخنا ليس نمطًا من القداسة والصوابية المطلقة والعصمة، وكذلك ليس نمطًا من العثرات والمؤامرات والانحرافات.

فما التاريخ الإسلامي إلا محاولة بشرية جادة، لتقيم المباديء واقعًا والقيم نموذجًا على أرض الواقع، وقد كان فيما مضى ذلك، وسيعود.