الكل يعرف أن أوراق الاستعمار المباشر بالقوة العسكرية قد احترقت، واحترقت معها سُبل المقاومة الممكنة، لكن حلقات استعباد الإنسان لم تنته بعد، فكما تُغيّر البكتيريا جلودها صمودًا ضد مناعة الإنسان، تُغير القيود أيضًا مخالبها لاستغلاله و«استعباده لا شعوريًّا» كما يقول فرويد، فتدحرجت البشرية من إشكالية العبيد، إلى الحاجة إلى حركات تحرر، فإشكالية قيود العولمة التي لم تجعل العالم غرفة واحدة فحسب، بل ألغت ذلك التعايش الدافئ بين الأنواع البشرية المتميزة في اختلافها، إلى المنافسة السلبية على التشابه، في سعيها للاستهلاك، بداعي الحداثة ووسائلها المُغرية، التي تلبي الأطماع للنفس البشرية الضعيفة، القابلة للانسلاخ في سبيل المتعة، والمدح، والمكانة الاجتماعية.

لم يعد العدو جيوشًا من الحلفاء، ولا ميليشيات إرهابية، بل معركة الإنسان أطول وأعمق في ظل منظومة استهلاك شرسة لا تعرف سوى حسابات الربح المادي، يؤجّر فيها الوطن سوقًا مفتوحًا، وكما يقول عبد الوهاب المسيري: «… أغرقته السلع في دوامة استهلاكية حتى أصبح شعاره: (طالما أنه هناك دجاجة على المائدة بالإنجليزية as long as there is chicken on the table) فإن العالم لا يهمه، فيؤثر السلامة ولا يفكر في ما هو خارج حدود الدجاجة».

قبل قرون قالها ابن خلدون: «المغلوب مولَعٌ بتقليد الغالب»، وقيود تراكمت قرونًا ستحتاج إلى قرون أخرى للتلاشي، وأولى خطوات التحرر إن أردنا أن نكون أحرارًا بمعنى الكلمة ألا نركز على الأسئلة المستعصية التي سيذلّلها الزمن، ونتمركز حول ما نستطيعه كالتحرر من سلطة اقتناص الفرص أو ما هو متاح فقط؛ لأنه يعمينا عن الفرص الأفضل التي ربما لم تقع عليها أعيننا بسبب ازدحام عقولنا بزخم الأشياء من حولنا، والأصوات العالية، وخطط التسويق لكل منتج أو فكرة، فنقع في أسر رغبات الآخرين، ولا نفكر بحسب احتياجات مراحلنا نحن. الحرية الحقّة قريبة من الذين شغلوا أذهانهم وأعملوا عقولهم بالبحث عن موضع قدم يقدمون فيه شيئًا مهما كان الثمن بعيدًا عن أنظار الناس، وتصفيق الجماهير التي لا تتقن سوى المبالغة في المدح والذم، وجبران قدّم طيلة حياته نموذج الفنان الحُر رغم غربته في بلاد المهجر، كان النحات، والشاعر، والكاتب، والعاشق، والمرتبط الرحيم بالطبيعة، ومن أجمل ما يوصي به قرّاءه أن يتحرروا من قيود وزحمة السيولة، ويكونوا أنفسهم؛ فقال: «لا تعش نصف حياة، ولا تمت نصف موت، لا تختر نصف حل، ولا تقف في منتصف الحقيقة، لا تحلم نصف حلم، ولا تتعلق بنصف أمل، إذا صمتّ، فاصمت حتى النهاية، وإذا تكلمت، فتكلّم حتى النهاية، لا تصمت كي تتكلم، ولا تتكلم كي تصمت. إذا رضيت فعبّر عن رضاك، لا تصطنع نصف رضا، وإذا رفضت، فعبّر عن رفضك؛ لأن نصف الرفض قبول، النصف هو حياة لم تعشها، وهو كلمة لم تقلها، وهو ابتسامة أجّلتها، وهو حب لم تصل إليه، وهو صداقة لم تعرفها، النصف هو ما يجعلك غريبًا عن أقرب الناس إليك، وهو ما يجعل أقرب الناس إليك غرباء عنك، النصف هو أن تصل وأن لا تصل، أن تعمل وأن لا تعمل، أن تغيب وأن تحضر، النصف هو أنت، عندما لا تكون أنت؛ لأنك لم تعرف من أنت. النصف هو أن لا تعرف من أنت، ومن تحب ليس نصفك الآخر، هو أنت في مكان آخر في الوقت نفسه!

نصف شربة لن تروي ظمأك، ونصف وجبة لن تشبع جوعك، نصف طريق لن يوصلك إلى أي مكان، ونصف فكرة لن تعطي لك نتيجة، النصف هو لحظة عجزك وأنت لست بعاجز؛ لأنك لست نصف إنسان، أنت إنسان. وجدت كي تعيش الحياة، وليس كي تعيش نصف حياة».