يختلف مفهوم العلمانية باختلاف التوجهات الفكرية والأيديولوجية لدعاتها ومنظريها. لكن يمكن القول إن هنالك إجماع على أن العلمانية بشكل عام هي «فصل الدين عن الدولة» أو بتعبير آخر، تنظيم العلاقة بين الدين ومؤسسات الدولة بحيث لا تتدخل المؤسسة الدينية في آلية اتخاد القرار السياسي بشكل مباشر. وبموجب ذلك تصبح الحياة الدينية مسألة فردية خاصة. وقد نشأت العلمانية في كنف أوروبا خلال العصور الوسطى، استجابة وتمردًا على سيطرة الكنيسة على الحياة السياسية، وتسلطها على الدولة والمجتمع عبر التوظيف السلبي للدين لخدمة مصالحها الخاصة. وتعتبر العلمانية الآن المبدأ السائد في أغلب الدول الغربية الديمقراطية، حتى أصبح البعض يربط بين بينها وبين الديمقراطية، على اعتبار أن العلمانية هي جزء لا يتجزأ من الديمقراطية. ما دعا البعض في البلدان العربية والإسلامية التي تعرف تراجعًا كبيرًا في الديمقراطية، إلى المطالبة بفصل الدين على الدولة، سعيًا وراء بناء دولة الديمقراطية والحقوق والحريات. فهل العلمانية هي الحل؟

لم يتم نهج العلمانية حتى الآن في العالم العربي، رغم الدعوات والنداءات التي قام بها بعض العلماء والمفكرين خلال النصف الأول من القرن الماضي، أي خلال وبعد عصر النهضة العربية أواخر القرن التاسع عشر متأثرين بالتغييرات السياسية والمناهج الفكرية في أوروبا. لكنها لم تأت بأية نتيجة بسبب الفكرة السائدة لدى العامة بأن الإسلام هو دين ودولة. وأي فصل بينهما يعتبر خروجًا عن تعاليم الإسلام وهدمًا لأسسه. حتى أضحت العلمانية مرادفة للإلحاد وهذا اعتقاد خاطئ راجع إلى كون العديد من الناس لا يميزون بين الحديث عن الدولة والمؤسسات والمجال العام وبين الحديث عن المجتمع وحياة الأفراد واختياراتهم أي المجال الخاص. وفي هذا السياق يطرح تساؤل هل العلمانية ضد الدين؟

إذا انطلقنا من كون العلمانية مفهومًا يقوم على رفع القداسة عن الحاكم البشري وجعل الأمور المتعلقة بإدارة الدولة وكذا مسؤولية الولاية العامة، أي تولي مقاليد السلطة السياسية والحكم وفق قواعد بعيدة عن أي اعتقاد أو قول بأن تعيين الحاكم هو شأن سماوي، وبهذا يكون للأمة الحق في اختيار من تراه أهلًا لهذه المسؤولية. إذا انطلقنا من هذا التحديد فإننا لا نجد أنفسنا باعتبارنا مسلمين في تعارض وتصادم مع الدين. بل العكس، وفي هذا يقول الكاتب سعيد لكحل في مقال له نشر في موقع الحوار المتمدن «إذا نحن أضفينا طابع القداسة على الحاكم ونزهناه عن أية محاسبة من لدن الأمة، واعتبرناه حاكمًا بالحق الإلهي ونائبًا عن الله في خلقه، حينها نكون حتمًا مصادمين للشرع.

ذلك أن الدين الإسلامي جعل أمور الدنيا كلها شأنًا بشريًا كما عبر عن هذا نبينا محمد (صلى الله عليه وسلم) في قوله (ما كان من أمر دينكم فردوه إلي وما كان من أمر دنياكم فأنتم أعلم به). بمعنى أن الأمور المتعلقة بالحياة الدنيوية، ومن ضمنها الحكم السياسي، موكولة إلى أفراد الأمة. فتلك أمور تأتي بالخبرة والدراية، وليست وحيًا أو إلهامًا. وبين أيدينا كتاب الله تعالى الذي أسس لجعل الأمة مصدر القرار فيما يتعلق بحياتها الدنيوية دون الأخروية. يقول تعالى (وأمرهم شورى بينهم)، بل جاء أمر الله صريحًا لنبيه (وشاورهم في الأمر). إذن فالمشورة للأمة، والقرار لها. بينما فيما يتعلق بالأمور الدينية لم يأمر الله تعالى نبيه محمد (صلى الله عليه وسلم) بمشورة الأمة، ولكنه أمر الأمة بطاعة الرسول والامتثال له (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا). ففي الأمور الدينية يكون الأمر للرسول، أما في الأمور الدنيوية فيكون للأمة».

وفي معرض الحديث عن هذا الموضوع يجب لفت الانتباه إلى أن الفرد العربي الإسلامي اليوم يعيش في تناقض كبير بين قبوله للعلمانية ورفضه لها. ففي استيبان أجراه أحد المواقع الإلكترونية، وجدوا أن أجوبة الناس تتغير بتغير طريقة طرح الأسئلة عليهم، فإذا قلت لأحدهم: هل تقبل بالعلمانية؟ يقول: لا، وإذا سألت نفس الشخص: هل تقبل استعمال الدين في الدولة وفي السياسة يقول: لا. وإذا سألته هل أنت راض عن الاقتتال الدائر بين المسلمين في سوريا والعراق واليمن وليبيا وكثير من بلدان العالم يقول: لا، وإذا سألته ألا ترى أنّ سبب ذلك هو الخلط بين الدين والسياسة واعتبار الإسلام دولة وإقحام الطائفية في السياسة يقول: لا يمكن. ثمة إذن خلط كبير تستغله التيارات التي تعتبر العلمانية خطرًا على مشروعها السياسي، فتحاول إيهام الناس بأن العلمانية تعني الإلحاد ونبذ الدين من المجتمع، في الوقت الذي يعرف فيه الكثير من أعضاء تلك التيارات حقيقة الأمر، ويخفونه عن الناس.

ولكي نكون موضوعيين ولا ننحاز لجانب واحد. قد يأتي شخص ويقول لي أن التجربة العلمانية الأوروبية لا تتوافق وخصوصيتنا، فواقع الحال عندنا لا يتشابه أبدًا مع ما كانت تعرفه أوروبا خلال العصور الوسطى، أي استغلال الدين المتمثل في الكنسية للسياسة. مما فرض حتمية الفصل بين ما هو ديني وسياسي. أقول: إنه في دولنا الإسلامية الوضع مختلف. فهنا السياسة هي التي تستغل الدين فيما يعود عليها بالنفع. وهذا في اعتقادي أخطر، خصوصًا في مجتمع متدين.

ينبغي في هذا السياق أن نوضح أمرًا مهمًا. نحن لسنا ضد الدين، بل ضد استغلال الدين في أمور سياسية، أو لخدمة مصالح جهات معينة. فإذا أردنا تطبيق الدين في الدولة علينا أن نلتزم بما جاء به، أي تطبيقه على النموذج الأول (الدولة الإسلامية الأولى) وهذا غير ممكن نظرًا للظرفية التاريخية والتطورات السياسية والسوسيواقتصادية التي تعرفها المجتمعات الحالية، وبالتالي فالخلط بين ما هو ديني (ما يتعلق بالعقائد والعبادات) وبين ما هو دنيوي (ما يتعلق بتدبير شؤون الدولة والمجتمع) سيؤدي لا محالة إلى الصراعات الطائفية وطمس الحقوق الحريات باسم الدين، وفي ذلك أمثلة كثيرة كخطب الجمعة التي تتمحور جلها حول مواعظ متجاوزة وحث للناس على طاعة الحكام، والصبر على الفقر والجوع، الذي سببه الرئيسي هو نهب السياسيين والحكام لأموال الشعب. أو منع الناس من المطالبة ببعض الحقوق تحت ذريعة القضاء والقدر، أو طاعة الخالق. على الرغم من أن هذه الأشياء لا علاقة لها بالهدف الأساسي الذي جاء الدين من أجله، بل ما يتم فعله هو تكييف بعض النصوص الدينية لتتناسب مع رؤية سياسية معينة.

ولكي نكون موضوعيبن بعض الشيء ونجيب عن السؤال الأساسي الذي طرحناه في التقديم. نقول إن هدفنا الأساسي ليس دولة علمانية أو دولة دينية. بل مبتغانا هو بناء دولة أساسها الديمقراطية الحقة والفعلية، والحقوق والحريات والمساواة والكرامة والعدالة الاجتماعية، بما في ذلك من خدمة للصالح العام. ولذلك فمسألة تطبيق العلمانية من دونها تبقى رهينة بالتغيرات الفكرية والسياسية والاجتماعية، ومدى نضج العقليات. وعن إمكانية تطبيقها يمكن القول وبحسب رؤية الجابري في هذا السياق أنه ينبغي بموازاة رفض نموذج الدولة الدينية، التخلي كذلك عن شعار علمانية الدولة حلًا لمشكلة التوظيف السياسي للدين، على اعتبار أن العلمانية بما هي فصل للدين عن الدولة، تكون جوابًا عن وضع خاص، يتميز بنوع من الصراع أو المنازعة في الاختصاص، بين سلطة روحية تحتكر لنفسها الدين، و تتحدث باسمه، وبين السلطة الزمنية التي تمثلها الدولة باعتبارها كيانًا سياسيًّا. وهذا غير مطابق لواقع الحال عندنا ولحاجياتنا، بحيث أن هذه السلطة الروحية غير موجودة في الإسلام نظريًّا على الأقل وحتى عندما توجد عمليًّا فإنها تكون في خدمة السلطة السياسية للدولة وغير مستقلة عنها، وبالتالي لا نكون إزاء وضع دولة داخل الدولة الذي هو مبرر الفصل الذي جعل من العلمانية حلًا في المجتمعات الغربية.

إن المشكلة في الدول العربية الإسلامية ليست مشكلة علمانية من عدمها، إنها مشكلة غياب الإرادة السياسية في التغيير نحو بناء دولة الديمقراطية الحقة. و هذا يطرح تحديًا نظريًا وسياسيًا ويشكل عائقًا أمام حل إشكالية الديمقراطية في مجتمعاتنا التي انقسمت فيها النخبة بين تيار حداثي تقدمي يتبنى بعض القيم العلمانية وبين تيار تقليدي محافظ يعتبر أنه من غير الممكن الفصل بين الدين والدولة ويعتقد أن الإسلام يقوم ضرورة على الجمع بينهما. وربما يكون لعدم الحسم في الإجابة على هذا السؤال دورًا كبيرًا في عدم نجاح الثورات الديمقراطية في العالم العربي وتحولها في عدد من الأقطار من مطالب عادلة بالحرية والكرامة إلى صراع متوحش حول السلطة. إن الانتقال إلى الديمقراطية يستوجب بالضرورة حوارًا عميقًا بين التيارين أعلاه للاتفاق على طبيعة الدولة وطبيعة العلاقة التي تقيمها مع الدين، بما يضمن التعايش بين كافة المكونات السياسية للمجتمع، مثلما يضمن التداول السلمي بينها على السلطة، حوار ينبغي أن يفضي إلى الاتفاق على مضمون موحد وديمقراطي.