مقالات

لقراءة المادة على الموقع الأصلي انقر هنا

عبدالحفيظ العمري (اليمن)

أدعو إلى أن تكون الفتاوى الصادرة لجمهور المسلمين البسطاء نابعة من مؤسسة علمية، تضم لفيفاً من علماء الشرع وعلماء الاختصاص من علوم طبيعية واقتصادية وخلافه؛ بحيث تكون الفتوى مراجعة من أكثر من عقل مفكر خاضوا “عصفاً ذهنياً” لاستصدارها

هذا زمان العجب، وأخطر ما في هذا الزمان أن يتحوّل الدين إلى ألعوبةٍ في يد هذا الطرف أو ذاك، والدين بريء مما ألصق به كل المتصدّرين المشهد اليوم.
وحقيقةً، لا أعتقد أن أحداً نصّب نفسه الناطق الرسمي باسم الإسلام، فالدين ليس ماركة مسجلة باسم تلك الطائفة، أو ذلك الحزب، ولو كانوا الفقهاء الأجلاء أو العلماء الثقات.
وفي ديننا الحنيف ليس هناك رجل دين ولا باباوات، فما لدينا هم علماء شرع أو فقهاء، لهم دور واضح، وهو تعليم الناس أمور الدين، وما يتعلق بها، بدون أدنى قداسةٍ لهذا العالِم أو ذاك، وذلك حتى لا يتعلق الناس بالشخص، وإنما بالعلم الذي يقدمه.
ومن أهم ما يقدّمه فقهاؤنا هي الفتاوى، تلك الأحكام التي تمثل ثمرة اجتهاد ذلك العالِم أو الفقيه حول معضلة حياتية ما، بحسب ما حصّل هذا الفقيه من العلوم الشرعية، لكن تلك الفتاوى التي يطلقها هذا العالِم أو ذاك عن مستجدات الحياة لا تعدو كونها اجتهاداً بشرياً لصاحبها، بل وليست ملزمة لأحدٍ.
دعونا نسأل، أي عالم أو فقيه يستطيع أن يلمّ بكل أمور الحياة المعاصرة ومستجدّاتها، لكي يتم تنزيل أحكام الفقه الإسلامي على هذه الظروف، خصوصاً مع انفجار المنظومة المعلوماتية اليوم التي جعلت من الصعب حصر الفتاوى التي تتصدّر المشهد حول القضايا المتعددة.
هذا يدعوني إلى القول إن هذا الزمن انتهت فيه حالة الفتوى الفردية التي يتصدّرها عالِم بمفرده، خصوصاً لو كانت القضية تهم أمةً بأكملها، فقد انتهى زمن العلماء الموسوعيين الذين يحيطون بعلوم متعددة، شرعية وطبيعية وفقه الواقع وخلافه، بالإضافة إلى طبيعة المعلومة التي تضخمت كثيرا في ظل هذا الانفجار المعرفي الذي نعيشه اليوم؛ حيث من المتوقع في المستقبل القريب أن تتضاعف المعرفة كل 12 ساعة!
وثالثة الأثافي في الأمر عدم حيادية العلماء عن مؤسّسات السياسة وانخراطهم، إما في معية الحكّام أو في أحزاب سياسية أخرى.
لكل ما ذكرته سابقاً، أدعو إلى أن تكون الفتاوى الصادرة غلى جمهور المسلمين البسطاء نابعة من مؤسسة علمية، تضم لفيفاً من علماء الشرع وعلماء الاختصاص من علوم طبيعية واقتصادية وخلافه؛ بحيث تكون الفتوى مراجعةً من أكثر من عقل مفكر خاضوا “عصفاً ذهنياً” لاستصدارها، واستعرضوا كل جوانب القضية التي من أجلها نبعت تلك الفتوى (ليس الجانب الديني فقط، بل والدنيوي أيضاً)، بعيداً عن تحيزات السياسة ودهاليزها.
نمط من الفتاوى كهذا يبعدنا عن اجتهاداتٍ فردية قد تصيب أو تخطئ، وتكسب الفتوى ضماناً، وتجنبنا ركام فتاوى فتنت الناس، واختلفوا حولها وحول قائلها، فتحولت من فتوى إلى فتنة، والناس اليوم قد أصبحوا مفتونين في دنياهم، فلا نضيف لهم فتناً في دينهم.

إعجاب تحميل...