ما حدث للسيد جمال خاشقجي الصحافي السعودي المعروف، والمحسوب على تيّار الإسلام السياسي هو مأساة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، والكل يريد إن يستغلها لكي يحقق مصلحته الخاصة، مؤخرًا تعالت أصوات سيناتورات في الكونغرس بضرورة سحب البساط من محمد بن سلمان، وهذا معناه محاولة ابتزازه مرة أخرى، النظام الاستبدادي السعودي يريد جعل دم خاشقجي فرصة لتسوية حساباته مع تركيا التي عارضت كل سياسات آل سعود وأظهرت استعدادها على الوقوف أمامها، قطر تريد استعمال القضية لمزيد من الدعاية ضد السعودية.. الكل يدّعي التضامن مع خاشقجي، بينما الحقيقي الكل يريد استغلاله.

جمال خاشقجي هو صحافي لديه شعبية كبيرة داخل السعودية وخارجها. القليل من زملائه السعوديين يستطيعون امتلاك حساب «تويتر» يتابعه 1.6 مليون متابع. إنه كاتب وصحفي ومقرب من العائلة المالكة السعودية، واعتقد أنه يمتلك معلومات خاصة عن النظام مما يجعله هدفًا لابن سلمان. طالما خرج بمقالات صحفية على «الواشنطن بوست» فيها نبرة من المعارضة، وهي الصفة التي رفض أن يطلقها الآخرون عليه، فهو يعتقد أنه من واجبه تقديم النصيحة لولي أمره، كأي مواطن آخر يهتم بمصير بلده، ورغم هذا آل سعود وقطيعهم يرونه خائنًا يهدد الوطن والنظام.

 كجزء من حملة قام بها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والحاكم الفعلي في الحقيقة للسعودية، الحملة التي هدفها تعزيز سلطته والإسراع في تتويجه ملكًا، تم اعتقال العديد من أصدقاء خاشقجي. عندما تحدث خاشقجي علانية عن أصدقائه، فقد وظيفته في جريدة الحياة في المملكة ونُقل عنه أنه يجب أن يتوقف عن التغريد.

في يونيو (حزيران) 2017 غادر خاشقجي المملكة العربية السعودية إلى الولايات المتحدة، حيث كتب منذ ذلك الحين لصحيفة واشنطن بوست. لقد أصبح خاشقجي منتقدًا صريحًا للحكومة السعودية وولي العهد، سواء في المطبوعات أو على شبكات التلفزيون المختلفة، كما طالب محمد بن سلمان بمزيد من حرية الصحافة.
لقد تركت بيتي وعائلتي وعملي، وأرفع صوتي. وكتب خاشقجي عن بوست في سبتمبر (أيلول) 2017 قائلًا: نعم، إنه يحقق وعدًا بتطهير التطرف في المملكة العربية السعودية، لكن لا يسمح بأي شكل من أشكال التعبير، باستثناء التعبير الذي يدعمه.

الكثير من السعوديين مسؤولين وصحافيين وعامة، يقولون إن ما يفعله جمال خاشقجي من معارضة لسياسات محمد بن سلمان، سببه انتمائه لتيّار الإسلام السياسي وبالضبط فكر جماعة الإخوان المسلمين، بحيث سبق وأن قال بأن لا مستقبل للعالم العربي إذا تم استبعاد الإسلام السياسي من المشهد، وبالتالي انتماؤه لهذا التيّار يعني خيانته بشكل مباشر؛ لأن السعودية تستهدف اجتثاث الإخوان في الداخل والخارج، وهذا قول فيه زور وتدليس، فالبرغم من معارضتي لفكر الإخوان، إلا أن ما يقلق البلاط السعودي هو المعارضة، وأي صوت مؤثر ينتقد النظام خاصة إن كان لديه الكثير من المتابعين، يعني لب القضية هو معارضة آل سعود وهذا كل ما في الأمر، الإخوان مجرد شمّاعة، لأن أصحاب هذا الزعم ما عليهم إلا أن يواصلوا في استدلالهم الصوري هذا (كل إخواني هو خائن، وجمال خاشقجي إخواني، إذًا جمال خاشقجي هو خائن)، حتى يصلوا في الأخير إلى وجوب هدم الدولة السعودية بأكملها واقتلاع آل سعود من جذورهم، لأنه لولا الإخوان لما سمعنا بدولة اسمها السعودية، والإخوان كانوا عماد الدولة السعودية، وبقتالهم تم جمع كل القبائل تحت راية آل سعود.

أود أن أشير إلى نقطة مهمة، وهي أن محاربة السعودية للإخوان لأنهم ينشرون الإرهاب، وحصار قطر لنفس السبب، هي أكذوبة كبرى، الفكر الإرهابي الوهّابي كان يسرح ويمرح في السعودية، وكان شيوخ السعودية متصدّري المشهد، والذين لم يتركوا من خالفهم إلا وكفّروه، بل تحدى شخصًا يحاول القول إن داعش ليست نتاج الفكر السلفي الوهّابي الذي نشرته السعودية في كافة أصقاع العالم، ولو أن الفرق بين (داعش) والإخوان هو الجرأة والشجاعة على تطبيق الأفكار والفتاوى التي يدعون إليها.. إن تصنيف جماعة على أنها إرهابية أو غير إرهابية هي قضية سياسية لا أكثر ولا أقل، الحكّام لا يهمهم أن يكون فلان أو الحزب الفلاني إرهابيًا، فما دام فكرهم ونشاطهم لا يهدد السلطة، فليسوا بإرهابيين حتى ولو ذبحوا الشعب.

وليس هناك أكبر مثال كالإخوان المسلمين والسعودية، الإخوان كانوا من مؤسسي السعودية، وبقوا تحت ظل وحماية آل سعود لمدة طويلة، عندما أظهروا نيتهم في السيطرة على الدولة وتغيير نظام الحكم، وعدم استبعاد الاستعانة بالأجنبي لتحقيق الهدف، صنّفتهم المملكة مباشرة على أنهم إرهابيون، بالرغم من أنهم كانوا يدعون لأفكار إرهابية تكفيرية كقتل العلمانيين وفرض الحجاب وتفسيق الحداثة قبل ذلك بوقت طويل، بل هذه الأفكار هي عمود دعايتهم وفكرهم القائم على عسكرة الدين، الإخوان لا مكان لهم في خطة ابن سلمان الجديدة للسيطرة على السعودية، وبالتالي وجب التخلّص منهم.. أمريكا دعمت الخطوة السعودية، فالإخوان أصبحوا نكبة على الغرب، الذي يريد الحفاظ على مصالحه وتشكيل نظام دولي جديد يكون فيه الإسلامويون بالعموم خارج اللعبة.. بعدما كانوا أبرز لاعبيها منذ التسعينات.

المهم، قبل أسبوع، ذهب خاشقجي وخطيبته، إلى القنصلية السعودية في إسطنبول حتى يتمكن خاشقجي من ملء الأوراق التي تسمح لهم بالزواج. خاشقجي، مطمئن من قبل الأصدقاء بأن المسؤولين السعوديين لن يعتقلوه، دخلوا المبنى. انتظرت خطيبته في الخارج. خاشقجي ولم يخرج.

ويقول المحققون الأتراك إنهم يعتقدون أن خاشقجي قد قُتل داخل القنصلية، وأن القتل كان مخططًا سلفًا، وأن السعوديين قاموا بتهريب جثته من المبنى. وتنفي الحكومة السعودية الاتهام. لم يتم تقديم أي دليل علني بعد، لكن الاتهام المذهل بأن السعوديين قتلوا صحافيًا في قلب إسطنبول قد تصدر عناوين الصحف حول العالم، الآن نحن أمام عدة فرضيات، أما هذه الحادثة تعني فشلًا أمنيًا كبيرًا لتركيا في حالة عدم التواطئ، وإما هناك تواطئ بالفعل مع السعودية والمقابل من الصفقة، ذاك أمر لا نعرفه، لكن كيف يخرج علينا أردوغان بعنترياته التي أقام بها الدنيا، ولم يقعدها على إعادة تغريدة عن بيع قائد تركي للمدينة المنورة معتبرًا ذلك انتهاك لتاريخ تركيا؟ بينما يلتزم صمت مريع تجاه انتهاك سيادة بلاده بالحاضر؟ ويا للصدفة المهولة، فجمال خاشقجي هو من مواليد المدينة المنورة! فمنطقيًا كان على أردوغان تسليم السفير السعودي إعلان حرب على الأقل ما دام قد سبق وانتفض لإعادة تغريدة!

نحن أمام صورة كبيرة حاليًا: ما وراء التكهنات حول مصير خاشقجي هو تذكير صارخ بالسياسات الجيوسياسية المتغيرة في الشرق الأوسط. العلاقات بين تركيا والمملكة العربية السعودية متوترة أصلًا، ويرجع ذلك جزئيًا إلى أن تركيا حافظت على علاقات بناءة مع إيران، وهي منافسة مريرة يريد «مبس» عزلها. كما تتمتع تركيا بعلاقات دافئة مع قطر، وهي دولة قام السعوديون بحصارها. يرى آل سعود ان النظام السياسي التركي نفسه نوعًا من الإسلام السياسي الذي يعتبره السعوديون جزءًا من التهديد العربي المرتبط بالمنطقة، ولو أن الحقيقة هي أن أردوغان هو إخواني، لكن تديّنه يمارسه في بيته، ولا يفرضه على الناس، ولم نره قد وضع مسألة علمانية الدولة التركية على المحك.. إخوانية الدولة التركية هي آخر حجة لآل سعود يمكنهم استخدامها، وكان من الأفضل أن يتركوا هذه الحماقة جانبًا، ليحدّثوا الناس بلغة النفوذ والسياسة، وقتها يكون موقفهم مقنعًا على الأقل.

كيف يمكن لتركيا أن تستجيب لهذا الحدث المروّع؟ في الماضي ربما كانت تركيا قد ناشدت مساعدة الولايات المتحدة، حليفتها في الناتو. وبعبارة مهذبة، هذه لحظة محرجة لمثل هذا النداء. يتمتع الرئيس دونالد ترامب بعلاقات قوية مع الملك السعودي المستقبلي بالرغم من اهاناته المستمرة له، لمكن قبل شهرين فقط اتخذ ترامب خطوة استثنائية بفرض عقوبات على تركيا ردًا على اعتقال راهب أمريكي لا يزال محتجزًا داخل ذلك البلد.

إضافة إلى عزلة تركيا هي المفارقة القاتمة التي لا يكاد يكون هذا البلد صديقًا للصحافيين. في الواقع تركيا هي أكبر سجن في العالم للصحافيين المحترفين، وفقًا لمنظمة مراسلون بلا حدود، وهي منظمة حقوقية، باختصار ليس هناك الكثير من الخيارات أمام تركيا، لكن هذا لا يعني أن السعودية ستفعل ما تشاء وستكرر المحاولة، نحن مقبلون على الانتخابات النصفية الأمريكية، ويبدو أن الديمقراطيين الأمريكان لديهم الوسيلة المثلى لتشويه ترامب واسقاطه، الديمقراطيون يحاولون استغلال أي هفوة يتحمل مسؤوليتها (الكاو بوي) الأشقر وحزبه، واعتقد أن مغامرة ابن سلمان الأخيرة هي المادة الدسمة الأخيرة التي بحثوا عنها، بعدما حاولوا توظيف فضائح ترامب الأخلاقية. لعل ابن سلمان اختار الوقت الخاطئ، وهذه هفوة كبيرة منه، لكن سنرى ماذا سيحدث في المستقبل.

أنا العدو الأول لنظريات المؤامرة التي نشرت الجهل والغباء في مجتمعاتنا، والتي تم استخدامها لتبرير الفشل، وتوجيه الأنظار عن مكمن الفشل والتخلّف الحقيقي، لكن من يقتل الأطفال في اليمن، ويقصف المدارس القرآنية في أفغانستان، ويتنازل عن المبادئ مقابل المليارات من الدولارات، ويمعن في إهانة أقرب حلفائه ويطالبهم بالدفع مقابل الحماية، هل سيمانع من استخدام خاشقجي كبش فداء لتحقيق مصالحه ولمزيد من الابتزار؟ لا على الإطلاق!