لم يزل الشرق الأوسط منذ إسقاط الخلافة الإسلامية وقبلها بعقود محور اهتمام الدول الأوروبية والقيصرية الروسية؛ إذ كان مطمعًا وهدفًا للاستحواذ وتأسيس مستعمرات فيه، ومع مرور الوقت صار مسرحًا للصراعات الأوربية، ومعتركًا بين الإمبراطوريات التي تقوم على العرقيات أو الأبعاد التاريخية، فروسيا هذه الأيام تريد أن تعيد مجد القيصرية الروسية لا سيما بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وتحول روسيا من قوة عظمى إلى دولة مُحَيَّدة يتحكم فيها الفساد قبل مخابرات الدول الأخرى ووجودها في سوريا وأوروبا الشرقية ونشاطها التجاري مع الصين وإيران يؤيد ذلك، وفرنسا كذلك تريد إعادة مجدها القديم وما تدخلها في بعض الدول العربية ذات الولاء القديم ودول أفريقيا سياسيًّا وعسكريًّا إلا دليلًا على ذلك، حتى إيطاليا رغم ضعفها ومشاكلها الاقتصادية تدخلت في ليبيا علها أن تحصل على جزء من نفطها تعدل به أوضاعها المتردية وتسعى أيضًا لإعادة المجد القديم.

لكن المثير للدهشة حقًّا هو الموقف الهادئ جدًّا لبريطانيا التي تعمل في صمت وتسعى فعلًا لاسترجاع الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، ذلك الحلم الذي لم يفارق مخيلة ساستها ولا أسرتها الحاكمة لحظة واحدة، لكن بخبرة البيت البريطاني التي علَّمت العالم الغربي أصول اللعب السياسي والاستخباراتي؛ إذ من المعروف أن بريطانيا هي البلد الوحيدة التي لديها جهازا مخابرات، أحد هذين الجهازين تابع للملكة مباشرة وتحت تصرفها، ورغم ذلك فبريطانيا مع هذا لها مصالحها القريبة التي تتحكم في تحركاتها في نطاق الشرق الأوسط سياسيًّا واقتصاديًّا.

ولن نزيد القول في ذكر أصالة التأثير والسيطرة البريطانية في شبه الجزيرة العربية من أيام لورانس وفيلبي ومس غيرترود بيل، لكن الأحداث الجديدة في الشهرين الأخيرين تحديدًا بيَّنَت بما لا يدع مجالًا للشك الوجوَد القوي والخفي والحقيقي للسياسية البريطانية في المنطقة، فما علاقة ذلك بحادثة فقد الصحافي جمال خاشقجي؟

خبر اختفاء الصحافي السعودي جمال خاشقجي من القنصلية السعودية بات مسيطرًا على وكالات الأنباء العالمية والقنوات الرسمية، لكن هل فعلًا تم قتل جمال خاشقجي كما يروج البعض؟ وهل السلطات السعودية بهذه السذاجة كي تورط نفسها في أمر هي في غنى عنه الآن؟ لا سيما وأن هناك معارضين أكثر قوة من جمال خاشقجي مثل د. المسعري ود. سعد الفقيه وغانم الدوسري وغيرهم، إلا إذا كان المراد التغطية على تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المهينة في شأن المملكة العربية وخادم الحرمين، وهذا احتمال بعيد.

الحقيقة أن الصراع الأنجلوأمريكي بدأ يتصاعد في هذه الأيام من خلال عدة أمور آخرها حادثة جمال خاشقجي، فمن المعروف أن ولاء وتوجه محمد بن سلمان برعاية محمد بن زايد يتجه بكل قوة نحو الجانب الأمريكي وما ذهابه الأخير لأمريكا وزيارته للرؤساء السابقين في منازلهم إلا خير دليل على ذلك، وهذا أمر لن يثير حفظية البريطانيين كثيرًا، لأن عمان وقطر والكويت والبصرة التي هي مسرح العمليات البريطاني والبحرين ونصف دولة الإمارات متمثلة في محمد بن راشد آل مكتوم ذي التوجه البريطاني، والذي تصاعدت حدة التوترات بين وبين محمد بن زايد في الآونة الأخيرة بسبب اختلاف السياسات والميول في المواقف الدولية – كل هذا يدين بالولاء لبريطانيا وهو يجعل الصورة معتدلة إلى حد ما ويبرز تأثيره على الأزمة الخليجية التي لم تجد مخرجًا حتى الآن بسبب تماسك تلك الدول الكبرى وتفاهمها وقد لوحظ في هذه الأيام أن التوترات بين دولتي قطر والإمارات قد انخفضت حدتها، حتى صارت الإمارات في موقف أقرب ما تكون هي ودولة البحرين إلى الموقف العماني.

لكن إذا تجاوز الأمر إلى المصالح الاقتصادية فإن هذا هو الذي يجعل تغيرات كثيرة تطرأ على الساحة العربية، فمنطقة الكويت والبصرة منطقة خاصة ببريطانيا، ولن تسمح لأحد بالتدخل فيها بدليل حرق القنصلية الإيرانية في البصرة والاعتصام الطويل أمام شركة إكسون موبيل ومنع العمل فيها لفترة طويلة كل هذا كان رسالة وجهتها بريطانيا لأمريكا بأنها يجب أن تخرج هي وإيران من المناطق ذات النفوذ البريطاني.

وليس ببعيد أن تكون بريطانيا قد افتعلت أزمة جمال خاشقجي لتعكر على السعودية صوفها وتعيق ولي العهد السعودي عن إيجاد مصادر تمويل جديدة بعد حادثة الريترز والاستيلاء على أصول شركة بن لادن، وتعرقل المصالح الأمريكية من وراء ذلك، وتَصْرِفُها عن فكرة إدارة الآبار المشتركة بينها وبين الكويت، بناء على زيارة ولي العهد السعودي إلى دولة الكويت في تاريخ 30سبتمبر (أيلول) 2018.

وهنا يبرز بشدة عامل التوقيت وتسلسل الأحداث؛ فزيارة ابن سلمان كانت في 30 سبتمر، وآخر رحلة لجمال خاشقجي قبل دخوله تركيا كانت في بريطانيا حيث قال في تغريدة له على تويتر يوم 1 أكتوبر (تشرين الأول): «أغادر لندن وفلسطين في البال، حضرت مؤتمرًا وتعرفت إلى باحثين وناشطين مؤمنين بعدالة قضيتها من أطراف الأرض» وهذا يعني أنه عاد منها إلى تركيا وهو تحت متابعة جهاز المخابرات البريطانية، ليتم اختطافه في اليوم التالي يوم 2 أكتوبر.

وعلى الجانب الآخر فمن أهداف بريطانيا تعكير المناخ على الرئيس التركي الذي ازدادت علاقته بالروس والأمريكان بعد اتفاقه على الحصول منظومة الدفاع الروسية إس 300، واتفاقه على شراء طائرات إف 35 الحديثة، وتنامي الاقتصاد التركي، ومحاولة إضعافه، ومما يعضد ذلك شراء بنك الإمارات دبي حصة البنك الروسي في تركيا دينيز بنك بقيمة 3.25 مليار دولار، والذي يعد خامس أكبر بنك في تركيا وقد ذلك أدى إلى أزمة انخفض الليرة التركية أمام الدولار.

ونخلص من هذا كله حقيقة مفادها أن القطع بقتل الأستاذ جمال خاشقجي مبكر جدا، وأنه علينا الانتظار حتى تتكشف الأمور ويتحقق أي من السيناريوهات المطروحة، وأن الدول التي في الشرق الأوسط بما فيها دولنا العربية ليست صاحبة سيادة كبيرة على أراضيها وأن أمامها الكثير جدًّا حتى يكون لها كامل السيطرة على مواردها وثرواتها وأمنها وتدبير الأمور فيها.