النفس البشرية بطبعها تميل إلى الاختلاط والذوبان في مجموعات، حيث إنها لا تميل إلى الوحدة كغيرها من المخلوقات التي تفضل الوحدة وتدخل في سبات شِتوي كالدببة أو تعيش منفردة، والإنسان بطبعه كائن اجتماعي يعيش في جماعات ومجموعات مكونة لمجتمعات، ومن الطبيعي أن يختار له شريكًا أو شركاء يقضي معهم جل وقته حتى لا يشعر بالوحدة ويكون كل وقته مشغولًا بمؤانسة رفقائه ومرافقتهم حتى لا يتبقى له وقت للفراغ.

إن أكثر فئة تتعرض لهجمات من أوقات الفراغ القاتل هم الشباب وذلك ان الرجال غالبًا ما يَكُونون منشغلين بإنجاز أعمال تدر عليهم ربحًا أو تكون مصدر دخل لهم لمواجهة احتياجات أسرهم، أما النساء فغالبًا ما ينشغلن بالأعمال المنزلية وأمور الطبخ وترتيب منازلهن وتهيئتها أو قد يشاركن الرجال في العمل لمواجهة متطلبات الحياة المادية، وبالمقابل لا يكون للشباب أمور كثيرة تشغلهم عدا الدراسة أو بعض الاعمال التي لا يحتاج إنجازها لكثير وقت ليجدوا أنفسهم بعدها في فراغ كبير مما يولد لديهم رغبة لشغل أوقات الفراغ هذه.

تختلف الطرق التي يتبعها الشباب من الجنسين لقضاء أوقات فراغهم ويظل عيش قصة حب مثيرة هو الخيار الأكثر تفضيلًا للكثير من الشباب، حيث يمثل الغوص في بحار الحب وأعماقه السحيقة تجربة مثيرة يسعى الكل لخوضها، فمن منا لا يحلم بعيش قصة حب عنيفة بكل تفاصيلها من شوق ولهفة وغضب وفرح وغدر ووفاء كل هذه المتناقضات لا تجدها إلا في قصص الحب.

يمثل النجاح في دخول علاقة حب إنجاز ومصدر فخر للكثير من الشباب وذلك لإثبات ذاته والشعور بالرضا النفسي وإحساسه انه قتل وقت الفراغ عن طريق النجاح في دخول قلب أحدهم، فالشاب يشعر بتميزه بين أقرانه وأصدقائه؛ لأنه استطاع أن يُخضع قلب فتاة لسلطان حبه، ويعتريه إحساس الفارس الذي قام بترويض قلب الفتاة العنيدة التي عجز الكثيرين عن ترويضها، أما بالنسبة للفتاة فيمثل الدخول في علاقة حب بغض النظر عن القضاء على وقت الفراغ إثباتًا لجمالها الأخّاذ، وأنها أميرة قلب أحدهم استطاعت بذكائها أن تكسر هيبة ذلك الشاب المتغطرس وتقود فيالق جيشها لتحتل لها مكانًا في قلبه، وبغض النظر عن نجاح هذا او فشل تلك يعد الدخول في علاقة حب خيارًا مفضلًا للكثيرين للقضاء على أوقات الفراغ.

بعيدًا عن قصص الحب العنفية أو العفيفة  تجد بعض الشباب يقوم بتقبيل سيجارة أو احتضان دخان مخدر أو يداعب حبوب مخدرة للوصول إلى نشوة تفصله عن حالة الفراغ التي يعيشها، والحب والمخدرات مترادفان لا يفرقهما سوى خيط رفيع فالحب بحد ذاته مخدرًا للمشاعر السالبة، ويقوم بخداعنا ويصور لنا المحبوب في حالة كمال دائم، كما أن الفشل في الحب يمكن أن يرمي بك في أحضان المخدرات، كما يفضّل الكثير من الشباب إدمان المخدرات على إدمان الحب.

يلجأ الشباب لتناول سجائر الحشيش أو الحبوب المخدرة أو تعاطي المشروبات الكحولية للخروج من فراغ قاتل وروتين ممل وذلك لما تمنحهم هذه المواد المخدرة من شعور بالرضا، وفصلهم عن واقع كئيب يعيشونه، وكما وصفت إحدى شركات المشروبات الغازية مُنتجها بأنه يعطيك جوانح، فإن لفافة تبغ مخدرة واحدة قادرة على جعلك طائرة نفاثة من طراز بوينغ 737، فتكون قادرًا على الطيران في فضاء افتراضي مُحلقًا بين أحلام عجز الواقع أن يحققها لك، ولكن لا يلبث هذا الشعور أن يزول بزوال المخدر حيث وفقًا لقوانين الفيزياء يختفي تأثير الشيء بزوال القوى المؤثرة، وبدلًا عن قتلك لأوقات الفراغ تجد نفسك دمرت خلايا في جسدك لن تجدد نفسها، وقتلت أحلامًا كان من الممكن تحقيقها.

تتعدد خيارات الشباب في الحياة ما بين السئ والأسوأ أو الأفضل والأصوب، ولكن أيًا يكن الخيار الذي تتخذه فتأكد أنك لا تؤذي نفسك، وبعيدًا عن العزف على وتر الحرية الشخصية، فإنك حر في اختياراتك شرط أن لا تؤذي نفسك، لذلك لا تدع الفراغ يقتلك، أو يدفعك للتفكير شمالًا أو يثبط عزيمتك، عِش قصة حب، مارس رياضة، اقرأ كِتابًا، اتخذ خليلًا، اسكن قلب صديق، سافر وغيِّر من الروتين، وإذا لم تجد لتلك الأمور سبيلًا فخذ قلمًا وتأبط ورقة، واجلس على ظل شجرة واكتب ثم اكتب ثم اكتب.