ولم أر في عيوب الناس عيبًا … كنقص القادرين على التمام

هذا البيت من الشعر للمتنبي ليس مجرد بيت شعري، بل فلسفة هامة تستدعي منا التأمل والتفكر والإسقاط على حالنا. هذه الفلسفة ببساطة تؤكد أنه قد يعذر غير القادر، لكن لا عذر للقادرين، والسؤال الذى يطرح نفسه الآن: هل نمتلك القدرة؟ أم أننا عاجزون؟

هل نمتلك رؤية واضحة وخطوات محددة وأدوات تنفيذ قادرة على أن تصل بنا إلى أهداف لم نختلف عليها!

سياسة الجري في المحل

هل الكيانات الموجودة الآن، وأخص منها الموجودة بالخارج، والتي لديها إمكانات ليست متاحة في الداخل، أقلها حرية الحركة، هل هذه الكيانات تقوم بواجبها؟ وهل تجمع أعضاؤها حول تصورات واضحة ومحددة تشخص الأزمة، وتتفق على الحلول.

هل قامت هذه الكيانات بتقييم ما مضى ودراسة المتوقع، ثم خرجت من ذلك برؤية لإدارة الحاضر؟

إننى أعرف على المستوى الشخصي أفرادًا على أعلى مستوى في الفكر والإمكانات، والقدرة على التخطيط والتنفيذ، لكن ذلك على المستوى الفردي، فإذا حاولت الإفادة على المستوى الجمعي دخلت في حسابات تنتهي بها إلى لا شيء! فهل هذا شيء طبيعي ومقبول؟

وإلى متى لن ينظر إلى الكفاءات إلا من خلال معيار آخر لا علاقة له بالكفاءة؟ وأثره هو ما وصلنا إليه الآن.

هل يعقل أو يقبل أن يكون هناك كيان يضم أفضل الساسة، والذين كانوا منابر للعمل السياسي في دوائرهم، ومع ذلك لا تجمعهم رؤية واحدة ذات خطة وأهداف ووسائل متفق عليها تؤدي إلى حلحلة الواقع، ولو حتى من الجانب السياسي.

إلى متى ستظل سياسة الجرى في المحل لتفريغ الطاقة هي الخيار السائد دون التحرك خطوة للأمام.

لا أنكر جهدًا مبذولًا، وخاصة في المجال الحقوقي، ولكن وبمنتهى الصراحة هل يكفى هذا؟

ومع كل ذلك.. ما تأخر من بدأ

نعم ما تأخر من بدأ؛ لأننى ما دفعنى لكتابة ذلك إلا لتصحيح المسار، والدعوة إلى الانتباه واليقظة.

إن تدارك ما مضى لا يزال ممكنًا، فقط تبقى الإرادة المطلوبة لتجميع الكل من الساسة على وجه الخصوص، لوضع رؤية نتفق عليها، ولايبقى إلا العمل على التنفيذ دون الدخول بعد ذلك في أي مساحة للتناحر المستتر، أو الخلاف الذي ليس هذا وقته، فهل نمتلك جميعًا هذه الإرادة.

الأجيال لن ترحمنا.. والتاريخ سيشهد علينا

هل نمتلك خيار الرفاهية في أن نعمل أو لا نعمل.. ونتفق أو لا نتفق.. ونتوحد أو لا نتوحد.. أحسب أننا مسؤولون.. أمام الله أولًا.. ثم أمام الأجيال وأمام التاريخ.

يا سادة! الأمر أكبر من ذلك بكثير.. نحن في مرحلة شديدة الخطورة.. العالم كله من حولنا يسير وفق رؤية تعيد رسم المنطقة بالكامل.. أين نحن من كل ذلك.. هل ندرك خطورة تراخينا على خيارات أمتنا.. هل ننظر بعمق وتدبر لما يتم من خطط حولنا.. هل نحن حقًا على قدر المسئولية.. ألا يكفي ما مضى لنعتبر منه من أجل لم الشمل وطرح رؤية للمستقبل تعطي ثقة لأصحاب القضية أن الأمل لا يزال موجودًا.. وأن الجميع أدرك حجم المسؤلية.. وأن الخير آت بحسن العمل، وليس بالتمني.

أم أننا سنتجاهل كل ذلك، ونظل في مربع العيش في المحنة ساكنين ننتظر العون من الله.. دون أن ندرك أن الله لا يساعد الذين لا يساعدون أنفسهم.. فالله قالها في قرآن يتلى إلى يوم الساعة (وقل اعملوا..).

وما دون العمل لمن هو في مثل حالنا يكون من العجائب.. وصدق الشاعر:

ومن العجائب والعجائب جمة … قرب الدواء وما إليه وصول
كالعيس في البيداء يقتلها الظما … والماء فوق ظهورها محمول

اللهم قد بلغت.. اللهم فاشهد.