ربما يكون الإنسان هو آخر المخلوقات التي أتت إلى هذا الكوكب، ومع ذلك هو الذي صنع التأثير الأكبر حتى الآن، لذلك لا تخشى أن تأتي لاحقًا، المهم أن تأتي بخطة واضحة تستطيع معها أن تصنع التغير الإيجابي، كذلك لا تستعجل أن تأتي، فقد تكون اللحظة المناسبة لقدومك لم تحن بعد.

هكذا كانت دائرة العقل تتحدث إلى كل ما يحيط بها، كل منا أتى إلى هنا بمفرده، ولكنه لم يأت إل جزيرة منعزلة، وإنما أتى إلى كوكب ذي نظم حيوية وكيانات اجتماعية، متشابكة متقاطعة أحيانًا، ومتكاملة في أخرى، ومتباعدة في بعض الصور الأخرى.

ورغم كل هذا فإن كل منا سينتهي في النهاية، وسيذهب إلى هناك بمفرده. منذ أن دبت الحياة في هذه الأرض العجوز نبتت معها صور العلاقات المختلفة، بداية من البكتريا الأولى مرورًا بالنبات، وصولًا إلى الإنسان وأسلافه التطورية.

والعلاقات الإنسانية في هذه الحياة قائمة على مبادئ لها فلسفتها الخاصة، النابعة من مكونات هذا الكائن الإنساني الذي جاء هنا عبر الزمن، لتظهر في عدة صور مختلفة ومتفاوتة في الرقي.

مبادئ العلاقات الإنسانية

إذا ما تفكرنا في أسس العلاقات بشكل عام فسنجد تجليات صور العلاقات المختلفة في النظم الحيوية قائمة على مبدأ التكامل والحاجة والفائدة، ثلاثة خطوط عريضة حاكمة لمسار أي علاقة وجودية، ومحددة لاستمرارية هذه العلاقة.

فلنبدأ بالخط الأول، وهو خط التكامل، إذ إن أي تكامل بين طرفين أو عدة أطراف لا بد أن ينتج من حاجة كل طرف للطرف الآخر، ومن ثم إشباع هذه الحاجة في حد ذاته فائدة، لذا فالتكامل هو روح أي علاقة، وحيوية وديمومة هذه العلاقة تتوقف على نسبة التكامل بين الطرفين أو الأطراف. أي إن كل طرف يحتاج إلى الآخر ويستفيد من الآخر ويتكامل مع الآخر.

الجميع يحتاج إلى الجميع، والفرد يحتاج إلى الفرد، والبعض في حاجة للغير، إنها الحاجة الدافعة للبحث عن علاقة مع طرف آخر أو أطراف متعددة، فالحاجة هي جسد أي علاقة، تحتاج إلى الغذاء وغذاؤها في إشباع رغبتها، وتختلف فلسفة الحاجة عن التكامل في أنها قد تكون أحادية الطرف، أي طرف يحتاج إلى طرف آخر قد لا يحتاج إليه، وهذه الحالة قد ينتج منها بعض أوجه الخلل التي قد تؤدي إلى بداية التكسر في العلاقة، فنتيجة الاحتياج الأُحادي قد يتولد في الطرف الآخر نوع ما من صور الاستغلال للطرف المحتاج.

وهنا تتجلى وتتكشف الفائدة في صورتها التي قد تكون ذات وجهين أيضًا، بمعنى أنها قد تميل إلى طرف بالنفع إليه وغير النفع إلى الآخر، لذا فهي تحتاج أن تسير وفق أسس سليمة مضبوطة، إذ إنها تمثل عقل أي علاقة.

مكونات النفس البشرية ودوافع العلاقات

إن الدراسة السيكولوجية لمكونات النفس البشرية تبرز ثلاثة مكونات رئيسية دافعة بالإنسان إلى تكوين علاقات على مختلف صورها وأنواعها، جاء المكون الأول في أعلى موضع من الإنسان، إنه العقل، جاء متخذًا من الرأس موضع القيادة، ثم تلاه في وضع ارتكاز محوري؛ القلب صاحب العواطف، الذي يتصارع في كثير من الأحيان مع القائد العلوي العقل، وجاءت الغرائز رغم انتشارها في الجسد، إلا أن موطنها الأساسي جاء أسفل من العقل والقلب معا، تعددت صورها في غرائز بقاء النوع، أو بقاء حياة الفرد. لذا جاءت هذه المكونات دافعة بالنفس البشرية في ثلاث صور من صور العلاقات، علاقات العقل بدافع حاجة الفكر، وعلاقات القلب بدافع العاطفة، ثم علاقات الجسد بدافع الغرائز. فانتبه عزيزي الإنسان! فقد تكتشف لاحقًا أن غرائزك هي التي تدفعك وأنت تظن أنها تدفعك للأمام، وتحاول أن تَقنع نفسك بأنه الطموح، ولكن الحقيقة باختصار أنها تدفع بك على الصخر، فلا تندفع وراء تلك الغرائز.

إن نجاح أي علاقة قائم على مدى التوازن بين المكونات السابقة من أجل تحقيق مبدأ التكامل في العلاقة، أي إحداث توازن بين العقل والقلب والجسد، كما أن سطوة العقل بمفرده على باقي المكونات يدفع بالعلاقة نحو إحكام الفائدة، أو مبدأ المادة على باقي المبادئ، وارتكازها فقط على وحدة العاطفة قد لا يضمن لها أن تبقى في الاتجاه السليم، وأما طغيان الجسد وحده بغرائزه يسوق العلاقة نحو مبدأ الحاجة، وعندها قد تفتقد العلاقة طبيعتها الإنسانية.

صور العلاقات الإنسانية في الحياة

جاءت على رأس هذه الصور العلاقة الإلهية، تلك العلاقة الاستثنائية الوحيدة في هذا الوجود، علاقة فريدة في كيانها، خالية من كل ما يمكن أن يشوب أي علاقة، فهي خالية من روابط الدم والنسب، ولكنها مرتبطة بروابط الخلق والتصوير، خالية من دوافع الغرائز، ولكنها منزهة بروابط الحاجة إلى معية الخالق، بعيدة عن العواطف وميولها، ولكنها ممتلئة بالرحمة والمغفرة، إنها حقًا علاقة متفردة في ذاتها.

ثم تأتي بعد ذلك صور مختلفة من صور العلاقات أسماها علاقة الآباء على وجه العموم، وعلاقة الأمومة خاصة، تلك العلاقة التي قد تكون مجردة من دوافع الغرائز- إذا ما اعتبرنا الأمومة ليست غريزة– إنها صورة سامية، العطاء رأسها والقلب أستاذها، والاحتواء ملاذها، والإيثار يملأها. تجلت في سموها في فراغ فؤاد أم موسى –عليه السلام- على ولدها، وذهاب بصر يعقوب على يوسف ولده عليهما السلام.

تمر الحياة وتأتي الصداقة ضمن الصور الفريدة ذات المعنى الجميل، الوفاء عنوانها، والإخلاص قوامها، لا يحددها دم أو عرق، قد تكون بين الأب وابنته، والأم وولدها، والزوج وزوجته، والصاحب وصاحبه، تجلت في جمالها، وتفردت في تصويرها، ثم العلاقات العاطفية السليمة، جاءت على رأسها علاقة الزواج القائم على أسس الحب النقي النابع من القلوب السليمة، فالزوجة الصالحة خير متاع الدنيا يُرزق القلب حبها، فتملأ الحياة بروحها، على من تحب ويحبها، الصدق بدايتها، والوفاء رباطها، والعطاء تجديدها، والحب حاميها، والمودة والرحمة ميثاقها.

ضبط العلاقات وصيانتها

عندما تتكلم ضد ضميرك فاعلم أنك تكذب، وعندما تسير عكس اتجاه قلبك السليم فاعلم أنك أخطأت الطريق، وعندما تسبح عكس تيار روحك النقية فاعلم أنك تسبح في طريق الغرق وعندما تسير ضد كل ذلك، فاعلم أنك لست بخير، ربما فقدت فطرتك، وفي النهاية لا بد أن تؤمن بمبدأ أن الخير خير للكل، والشر شر للجميع.