مقالات

لقراءة المادة على الموقع الأصلي انقر هنا

مصطفى العادل (المغرب)

أصبت بالحب يوم رأيتها ترفع هاتفها إلى أذنيها، مالت قليلا وهي تنظر إليّ، فمال القلب وامتلأ بحبها، وعلمت أنها رفعت عني ذلك الحياد كما رفعت هاتفها، وأصابتني بسهم الإغراء بمشيتها وردائها الإسلامي المتميز.

توقفت قليلا عن الكتابة، ورأيت ألا أكتب عن الحب والعلاقات العاطفية ثانية. لكن الحق أنّ الطبيب يدرك، في نهاية حياته، أنّه لا يستطيع أن يبتعد عن مسح الدماء وتقليب الجثث، ولو مُنحت له حياة جديدة لاختار أن يكون طبيبا في قاعة العمليات مرة أخرى.
هكذا، ربما خلق الناس بأوصافٍ تجعل كل واحد منهم قادرا على لعب الأدوار المنوطة به في هذه الحياة. قد نقول إنه القدر، لكن الحقيقة التي تقودنا إلى هذه الخلاصة هي أنّ الشاعر وُلد شاعرا، كما أنّ الطبيب وُلد طبيبا، والعاطفي رقيق المشاعر، سريع البكاء، وُلد على تلك الهيئة؛ فمهما كان تكوينه وتربيته، فإنه لا يستطيع يوما أن يكون طبيبا، لأنه لا يقوى على سماع الأوجاع ورؤية الجراح والدماء.
قد يكون العاطفي طبيبا في مصحّات المشاعر ومستعجلات النسيان، يرافق المتألمين بالحب والمصابين بنزلات العشق الحادة، لكنه في نهاية المطاف لا يتملّك ولا يصبر على سماع أنين الجرحى ومشاهدة جثث شهداء الحب في ذلك العالم الرهيب. يعيش الطبيب العاطفي أوجاعا مستمرة، يسمع دائما ويتألم في الوقت نفسه تجاه كل قصة مؤثرة حزينة، ينغمس كليا في أحداث المسلسلات العاطفية في محيطه والعالم من حوله؛ إلى درجة أنك لا تستطيع أن تميّز أنينه من أنين المصابين والمتألمين.
فكرت في العودة إلى هذا التخصص الرائع والكتابة فيه بعدما تأكدت أننا لم نُخلق لشيء سوى الحب: [قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم]. هذا الحب الذي من أجله خلقنا، ومن أجله خلقت الحياة. فعندما ساء فهم البشرية هذا الحب، صارت السياسة وهموم الدنيا الفانية تشغلهم، وصار الحديث عن الحب والقلب والتقلبات العاطفية من الأشياء التافهة التي لا مكان لها في حياة الناس من حيث التنظير، وإلا فإنه من النفاق ألا نكتب عن شيء يقلب حياتنا كلها رأسا على عقب.
لو فهمت أوطاننا العربية معنى هذا الحب، واستطاعت أن تعيشه بشكل طبيعي لما احتُلت من قبل دول الاستكبار العالمي، ولما تهدّمت مدننا الحبيبة، وتكسرت حضارتنا العظيمة في ذل وهوان. وها نحن نرى كيف استطاعت الأمم الغربية الغالبة أن تصوّر للأمم المهزومة المغلوبة، الحب المقرون ببناء الحضارة والتقدم العلمي والتكنولوجي. فعلى كل صاروخ يهدم حضارتنا صورة فتاة ينظر إليها العربي المحروم من أبسط حقوقه (حق الحب) نظرة عاطفية، تشي بالحرمان الجنسي.
عدت اليوم لأكتب عن الحب، وأعلن أنّ الذين مرضوا يوم كنت طبيبا لهم في مصحّات أوجاع الرجال قد تخلّصوا اليوم من تلك الأوجاع، ورفع عنهم الداء. ولعل تراثنا الذي أخبرنا يوماً أنّ المريض قد تعافى ومات الطبيب يحتاج لأن يرفع عنه غبار الجمود والركود، لنقرأه بعين بصيرة وبأدوات علمية ودقيقة.
أصبت بالحب يوم رأيتها ترفع هاتفها إلى أذنيها، مالت قليلا وهي تنظر إليّ، فمال القلب وامتلأ بحبها، وعلمت أنها رفعت عني ذلك الحياد كما رفعت هاتفها، وأصابتني بسهم الإغراء بمشيتها وردائها الإسلامي المتميز.
خلقنا من أجل الحب. هذه خلاصة القول، فالأولياء يحبون الله، ويزهدون في كل شيء، ورجال السياسة يحبون المناصب ولو على حساب فقر وجهل شعوبهم المستضعفة، والاقتصاديون يحبون السيطرة على السوق، وإن زوّروا الحقائق والإشهار، وفي الحب زلزال يضرب ضواحي قلبك كلما رأيت تلك الجميلة التي سكنتك وصارت جزءا منك، لكن متى تفهم أمتنا هذا الحب حق فهمه فتعطي لكل حب حقه من دون إفراط وتفريط؟

إعجاب تحميل...